‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 أبريل 2014

أكتب كي يخفَّ ورني قليلًا



.

.

صديقتي تضع فكرة الحب على المائدة بمجرد أن تصل، الكلام عن السفر والكتابة سينتهي بعد أن تشرب النسكافية وتخبرني أن عليَّ أن أجد حبيبًا واحدًا على الأقل
ثم بعد نظرة واحدة لعيني التي تلمع تخبرني: " لقد أحببتِ، أنا متأكدة، أنا أعرف هذا البريق جيدًا".
كلامها لا يقبل المناقشة ولا تنتظرني كي أخبرها بما يحدث، في آخر الحوار تتننهد وهي تشعر بالإحباط لأنني/ لأنها لم تحب.

ماذا لو قررت أن أضيع دون حبيب، على أيه حال لن يفتقدني أحد.


أريد أن أضغط زرًا ما فيتوقف العالم، أريد أن أبكي مع أنني لا أشكو من انقطاع الكهرباء، أو من رائحة الهواء الملوث باحتراق الأرز، أو من الموت الذي ينتظرني في الشارع دون أسباب.
أمرُّ بجوار كل شيء بدروع كاملة أغير ألوانها باستمرار، صديقي يخبرني كم أنا قوية، دروعي تعمل، أنا قوية دون دروع، أحتاجها كي أئتنس فقط، القوة لا تنقذني من حياتي، تبرق فقط كي تُخفي كل هذا الضعف.
الأفكار تتدفق بالقصور الذاتي كي أنسى أنني أقاوم رغبة حقيقية في الموت.


ثقيلة على قدميَّ، أفكر أن أصابعي تكتب لي رسالة شكوى من كل هذه الكيلوجرامات الزائدة ولا تنسى أن تخبرني بأنين ركبتي الصامتة دائمًا.
أكتب إلى قدميَّ رسالة اعتذار، وأعدُها بحسن التصرف، مع أن الاكتئاب لا يترك لي حلولًا أخرى، أكتب كلمة الاكتئاب ولا أقصد سوى هذه الدموع وهذا الإحساس العارم بخيبة الأمل وهذه الفتافيت المتناثرة التي أتحول إليها كل يوم دون سبب.

أكتب كي يخفَّ وزني قليلًا؛ لكنني لا أصل إلى الطيران أبدًا، الانفعالات التي تغزل الكلمات وتحولها إلى سيرك حي أصبحت بعيدة جدًا، أنتظر انفجار جهاز الكمبيوتر حينما تأتي الكهرباء وأخبر نفسي أنني فقط أحتاج إلى النوم كي يمرَّ كل هذا الأسى.

أشبه التليفزيون القديم، لا أستطيع التعامل مع كل هذه التقنيات الحديثة ولا أحسن فهم الألوان، العالم بسيط ومتدرج من الأبيض الشفاف إلى الأسود الثقيل، وليس بإمكاني فهم كل التعقيدات التي يجب عليَّ أن أفك شفرتها، طبيعتي ليست مناسبة للألعاب الإلكترونية، كل هذا التعقيد داخل صندوق الرسائل لا يناسبني.

الشغف المصنوع خارج الحب يشبه الحب، لكنَّ صلاحيته تنتهي فور أن يبدأ، ولا يمكن للخيال أن يمنحه عمرًا أطول، يشبه البرق الذي يخبو فور أن يستسيقظ.
أحاول صناعة الحب خارج الحب، أخترع مساحات أخري لا يلتفت إليها أحد، ليست محفورة داخل كهف الوحدة كما تظن أختي وليست تحت شمس الآخرين بالكامل.

لم أنجح بعد في زراعة أرض صغيرة لي، أتفاجأ بأنني لا أجد مكانًا لي -كل مرة- مع أنني أحاول بقوة ودأب.

....

السبت، 5 أبريل 2014

آسفي - القاهرة

.




.

"داخل الفندق على كرسي مواجه للشمس أجلس في انتظار الطعام، فراشة خضراء تلعب معي، وتخبرني أن أحدهم يفكر بي الآن، لونه الخاص يشبه هذا الأخضر الفاتح الذي يلون المحيط والسماء".

هذا المشهد يصلح كاستعارة مناسبة لرحلة غريبة وممتعة إلى المغرب، بدأت الحكاية برسالة على الفيسبوك تخبرني باختياري للمشاركة في المؤتمر الدولي للشعر في آسفي، ضمن مجموعة من الشعراء المصريين، المشكلة الأولى التي واجهتني كانت في تكاليف تذاكر الطيران التي يجب أن أتحملها.
بمساعدة الأصدقاء تمكنت من التواصل مع مؤسسة أضف، وأرسلت لبرنامج أضف جيران المخصص لدعم سفر الفنانين، وتمت الموافقة على طلبي، وقامت مؤسسة أضف بتغطية تكاليف تذاكر الطيران إلى المغرب .


وصلت إلى آسفي قبل ميعاد المهرجان بيومين، في الشارع المشمس كنت أملأ عينيَّ بالسماء والناس، أتناول الشاي بالليمون على المقهى وأترك أفكاري تتحرك كيفما شاءت.
الشجرة التي أجلس تحتها تمتلك نتوءات ناعمة تشبه الشيكولاتة بالبندق، والشجرة الأخرى عالية جدًا ومتصلبة، تشبه طفلًا مُعاقبًا يقف أمام السبورة ويرفع يديه إلى أعلى.
آسفي مدينة تشبه الإسكندرية، السماء تلمس البحر، البحر يموج برائحة القرنفل وأم الخلول معًا، الناس في الشارع يشبهوننا، يمتلكون نفس الملامح تقريبًا ولهجة لا أفهمها إلا إذا رغبوا في إفهامي ما يقولون.

أحدهم يكتب لي إهداءً طويلًا مُضفرًا بكلمات ناعمة عن الصدف التي لا تتكرر، وعن الملكات اللاتي يأتين من مصر إلى بلاده الملونة. يبتسم وتشرق أسنانه بالكامل، لكنه لا يسمح لكفي بأن يرتاح أكثر من ثانيتين تلزمان لالتقاط صورة واحدة لنا معًا، يضع لقبًا قبل اسمي، ثم يصافحني ويغرق في الظلام.

لا أبحث عن مغامرة عابرة داخل بلاد تخترع صيفًا وشتاءً في اليوم ذاته، ولا أسترق الحب داخل بلادٍ لا يعرفني فيها احد. خمس ساعات وهو يخبرني عن البنات اللاتي يتركن دراستهن، وعن المدارس التي تحتاج إلى درَّاجات وأصدقاء، لهجتي تتحول إلى صورٍ ملونة يمكنها اختصار الوقت، لكنها مع ذلك لا تمكنني من اكتشاف مخاوفه ذلك الجميل الذي سيختفي فجأة، دون نظرة طويلة أو حضن.


النساء في المغرب مبهجات، يضحكن في الشارع بصوتٍ عالٍ، ويمكن ملاحظة ابتسامتهن في الطريق، كنت أريد أن أكون وسط حلقة واسعة من نساء يثرثرن ويتحدثن عن حياتهن ببساطة لكنني لم أتمكن من ذلك، ربما في زيارة أخرى سأجد ما أبحث عنه.

صفية عز الدين شاعرة أمازيغية من مكان جبلي وبعيد اسمه ورزازات، تتكلم بلهجة أفهمها وتسألني بلطف: انتي فيه حد في قلبك؟ وحينما أخبرها أنني بلا قلب تضحك وتهديني ديوانها المترجم إلى العربية.
صفية تقرأني دون كلام، تربت عليَّ وأنا غارقة في الرعب قبل صعودي على المسرح، ودون أن أتكلم تقول لي: متخافيش كله هيبقى كويس.
أعرف أنني أعرف صفية من قبل، بصمة روحها تشبه امرأة لا أذكر اسمها أو ملامحها لكنني أطمئن إليها وأفرح بوجودها معي.


جميلة أبيطار شاعرة فرنسية من أصول مغربية، طلبت مني الانضام لمائدة الوفد الفرنسي بدلًا من تناول الطعام بمفردي، الكلمات القليلة التي تعرفها بالعربية ساعدتها على معرفة اسمي وبلادي ولم تسعفها لقراءة ما أكتبه للأسف، لكننا بكلمات عامية بسيطة وببعض الإنجليزية وعالم كامل من الإشارات استطعنا أن نتفاهم معًا.
لا أحد يعرف ما هو باب الونس الذي ينتظره في البلاد البعيدة، جميلة كانت الونس الأجمل والأكثر دفئًا خلال عشرة أيام مزدحمين بالآخرين.

أذهب متأخرة إلى النوم،
لكنني أتعثر في ورقة بيضاء
تضم قلبًا كبيرًا وكلمتين: "ليلة طيبة يا أختي"

يارب
لماذا تجمعني بنساء يفهمن روحي؟
لماذا تقودني إلى البراح بخطة لا أفهمها؟
هذه الجميلة التي أصبحت أختي، كيف سأتركها لباريس وحدها؟
لا أفهم كلامها ولا تفهم كلامي، مع ذلك نتصل جيدًا
امنحها الجمال الذي يشبه ابتسامتها، وازرع داخلها الأمل
تمامًا مثلما فعلتَ معي

يارب
أريدها أن ترقص داخل الفرح
وأريد أن تجمعنا معًا في براح يشبهننا

يارب
لماذا أتقاطع مع امرأة كان من الممكن أن أكونها في حياة أخرى؟


أبكي من الإنهاك الشديد والامتلاء بمشاعرلا أفهمها، جميلة لا تربّت عليَّ ولا تقاطع كل هذا التدفق، تجلس على السرير المقابل وتحدثني عن الشعر الذي يختلط بالحياة مثل اختلاط الدقيق بالماء، تخبرني بتفاصيل صغيرة عن حياتها تجعل الإضاءة تكتمل؛ كي أرى ما هو امامي دون ظلال.


الجدران والبيوت ملونة بنظام خاص يجعلني أكتم صرخة مبتهجة، وأتصور أحد أبطال رسوم الكارتون وهو يلون البيوت التي ستبدو مثل المكعبات الصغيرة أمامه.
الأخضر يتنوع بدرجات كثيرة، ويختلط بالأصفر والبني المائل للاحمرار، كل ما أفكر به أنني أريد ارتداء فستان ملون بالأرض والسماء والورود؛ كي أمشي داخل الجبل دون أن يلحظني أحد.

أحلم بأختي وابنتها، وأشعر بالأسى لأنني أمتلك ذاكرة ومشاعر ستمنعني من مغادرة بلادي، والعيش هنا داخل كل هذا الجمال.
أشتاق إلى أمي وإخوتي، أشتاق إلى كل ما يؤلم في بلادي، وأفتقد الجامع المواجه للبيت والغروب الذي يغير مشاعري كل يوم.




....

السبت، 22 فبراير 2014

حديقة نون

.



منذ أن بدأت الكتابة في المدونة وأنا أفرح كلما كتَبتْ أمنا الغولة، أحب نصوصها التي لا تحتوي على أي شيء سوى رغبتها في التواصل والكلام مع الجميع.
في أحد الأيام التي أجلس فيها على الفيس بوك أفكر أنني أحتاج إلى عمل آخر كي تتحسن حياتي، وجدت صديقة قديمة تخبرني أنها رشحتني للكتابة في نون.
كانت صديقة قريبة جدًا ولأسباب لا أحد يقصدها أصبحنا على مسافة لا تسمح لنا بأكثر من التعليقات المقتضبة على الفيس بوك.

المجلة ترحب بالكتابة بالعامية والفصحى معًا. أمنا الغولة تستحق أن تتنفس خارج هذه المدونة وأنا أجرب نفسي في مناطق مختلفة من الكتابة.
  المقال الأول كان عن مسلسل ذات وفوجئت أنه قُرأ جيدًا، وترك اثرًا طيبًا لدى اصدقائي، ثم بدأت المقالات تتوالى.


في المرة الأولى التي قابلت فيها صديقتي بعد ذلك كنت أشعر أنني أعيد التعرف عليها مرة أخرى، أما هي فكانت تكمل كل ما تم قطعه منذ سنوات على طاولة مشمسة في نقابة التشكيليين.
جاءتني آية بصحبة ساندرا، امرأة جميلة يكفي أن تتكلم معها عشر دقائق فقط كي تشعر بالألفة، ساندرا تقرأ المدونة بانتظام مما يمنحني سببًا آخر لمحبتها، فيما بعد لن أحتاج إلى أسباب كي تصبح ساندرا صديقتي.
 نون تمتليء بكتابات أصدقائي وكأنها المكان الذي نجتمع فيه معًا؛ كي نحكي ونطمئن.


في المقابلة الجماعية الأولى في نون كنا نتسابق كي نحكي عن حياتنا، مع أننا نناقش خطة الكتابة الشهرية فقط ، لكن الأمر متشابك جدًا ولا يمكن فصله. نون تجعلني أفكر في الكتابة لها وأنا أشاهد الفيلم الملهم بالصدفة في التليفزيون، وتحضر في ذهني الآن وأنا ذاهبة إلى عرض حكي في الأوبرا.

كتبتُ بها حين تعرضت لمحاولة للنصب وكتبت بها وأنا أتشاجر مع ذاتي عن الوحدة والونس وكتبت عن النور الذي غمرني داخل الظلام.
مع الوقت أصبحت نون هي المبرر المنطقي لأشياء كثيرة أعيشها ولا أفهمها لكنني أحاول مشاركتها مع الآخرين هناك في نون .






....

الخميس، 26 ديسمبر 2013

رسائل غير مرغوب فيها




.


اصطدمتْ بي في طريقها إلى الممر، ثم أخبرتني أن حبيبي هناك، وأن عليَّ أن أذهب لتحيته، قاومتُ رغبتي في الهرب فورًا، ثم استدرتُ ومشيت خطوتين، في الخطوة الثالثة رآني هو.

لم يقفز فجأة، ولم يتغير لونه، أو يسقط قلبه إلى أسفل قدميه، ابتسم، كشَّر عن أنيابه بابتسامة تصحبها نظرة لا تصدق ما تراه، نظرة ترغب بالتأكد من انني أنا أنا.
ثم ابتسامة أخرى تأتي من ذاكرة لا تحتفظ إلا بالصور، ثم خرج كلامه الذي لم يكن سوى ( ياااااه ) طويلة .

دقيقتين كاملتين من هذا الارتباك العظيم، ثم تذكرتُ أنني يجب أن أكمل المشي باتجاهه وأنه –للأسف- لم يعد باستطاعتي أن أهرب أو أختفي.

أربع خطوات، ثم صافحته بيدٍ لم تعد تتصل بقلبي، وذاكرة لم تستدع يدًا قديمة كانت له أيضًا، ثم بعد (عاملة إيه والحمد لله) درتُ بعيني على الجالسين معه فلم أتعرف على أحد.
سألني مع من تجلسين هناك، فأخبرته، ثم لوحت بيدي كأي امرأة تريد أن تختفي (فرصة سعيدة).
عدتُ إلى مكاني بأسرع مما يمكن، ولم ألتفت ورائي أبدًا، لكنَّ الذاكرة أمدتني بصورة قديمة لي وأنا أقطع العلاقة بمقص غاضب، وأستدير ماشية، وغير ملتفتة له، هو الذي ظل واقفًا طويلًا كي يفهم كيف حدث ذلك.

لم أحاول أن أخفي ما لا يظهر فعلًا، لا أملك ما أخفيه هذه المرة، بعد دقيقتين جاءت صديقتي/ صديقته لتجلس معي وعلى عكس ما تصورت لم تكن تهتم بأي من الذين يجلسون حولي، كانت تنظر إليَّ، وتتكلم، وتصنع من نفسها فخًا لاصطياد حبيبي.

بعد أربع دقائق وضع يدًا على الكرسي الذي أجلس عليه، ويدًا على كرسي صديقته، وتساءل: (انتوا تعرفوا بعض)  قالت له بلهجة من تريد أن تخبرني عن نفسها ( لسة مقطعناش بعض)، ضحك فقط ووقف طويلًا بالقرب مني، طويلًا لدرجة أن مغناطيسًا ما بدأ في العمل.

بعد محاولة للانخراط في حوار يدور لم أعد أسمعه، وجدته يأتي ليجلس معنا، تثاقلت في رفع حقيبتي عن الكرسي الذي بجانبي؛ فقال أنه سيحضر واحدًا آخر وضعه بجوار صديقته، ثم بدأ الناس يختفون بالتدريج.

أصبح مرتبكًا جدًا وهو يحاول خلق خيط من كلام ليس مهمًا على الإطلاق، كل ما في الأمر أنني هنا، وأنه يرغب في التماس مع ذاكرة بعيدة.
ذاكرتي الجديدة سجلت أن له ابتسامة خجلى لازالت تتحرك على صفحة وجهه منذ أن كان وشمًا على قلبي.
صديقته راقبتنا بخفة شديدة لم ألحظها إلا حينما جلست وحدي ووضعت الكلام داخل مجراه الحي.
ما الذي تريده مني واحدة تحب رجلًا كنت أحبه؟

.......









اللوحة من رسوماتي



......


السبت، 30 نوفمبر 2013

مصراتة - الفاهرة

.

.



.


تفتقد صوت أم كلثوم فقط، في البلاد البعيدة لا تخرج الأغاني من المحلات ولا يباعتها عمرو دياب في الشارع.
الألماني يضع سماعتين صغيرتين في أذنيها، ويطلب منها أن تسمع أغنيته
تحاول أن تحرك أقدامها دون ألم في الصباح الغائم للمدينة البعيدة، الصباح الأجنبي يحبها ولا يصيبها بالضجر. السفر هو أن تتناول إفطارك بجوار الغرباء.

الزملاء يعانون من كثرة الاتصالات ولا أحد يكلمها سوى الألماني الذي تتكسر إنجليزته في الشارع وتصنع مظلة دافئة تسمح لها بالفرح.

المغامرات العابرة لا تناسنبي، مع ذلك أنشغل برسم خرائط لها أثناء الليل.
لا يتكلمون معي لأنني امرأة، يتركون مسافة ما وهم يلقون التحية، وحده الألماني يبتسم حينما أشاركه المائدة في الصباح.

الغريب لا يحكي لي عن ذاته لكنه يتبادل معي خياله عن الآخرين، نضحك ونحن نشترك في قراءة أشياء لم تحدث أبدًا.
الوجود في الشارع عارية الرأس مغامرة غير محسوبة العواقب، نمشي تحت مطر خفيف ونأتنس بكلمات بسيطة.

يضحكون وهم يتكلمون معي، يرونني خفيفة جدًا وغير صالحة لمناقشة القضايا الفنية الهامة، لكنهم يندهشون وأنا أحكي عن تجربتي في التعلم، يندهشون حينما يرونني أرسم وكأنني أفعل ذلك كل يوم، لا أحد يصدق أنني لم أمسك فرشاة منذ خمس سنوات وربما أكثر؛ لكنني حينما قررت الإمساك بها قامت باحتضاني فورًا وأعادت لي ذاكرة منسية.

فاطمة تعطيني خاتمها، وأنا لا أفهم ما الذي يرغب في الإنتقال منها إليَّ، هل ترغب في أن تهبني بعضَا من جمالها الخاص؟ هل تسرب لي قوتها عبر حلقة ما احتضنت أصابعها ذات يوم؟.

في العالم البعيد لا أحد يفتقد وجودها إذا أنها افتراضية بالكامل وغير موجودة في حياة أي شخص، فقط رسائلها الخفيفة على الفيس بوك، أو الكلمات التي تقتطعها من يوم طويل كي تتصل جيدًا بأشخاصٍ لا تعرفهم على الإطلاق.

تركت صوري كلها بالبيت، دون أقنعة أتحرك وخيالي عن ذاتي يصير خفيفًا مثل علامة مائية بسيطة.
لا تفتقد حبيبًا ما، وتقرر أن السبورة الخالية من الأسماء تساهم في تحسين حياتها.
ترغب في كتابة رسالة كي تطلب من أحدهم ألا يخبرها بمحبته؛ لأن الحب يتم ترجمته داخل عقلها إلى: (مزيد من الألم والخذلان بانتظارك).
ترغب أن يطلب منها أن تأكل معه كل يوم، أو أن تشاركه المشي لمسافات طويلة، أو أن تقترب منه كي يعرفها فقط.

الحب يخضعها لتعذيب منظم وطويل كل مرة، لذلك لن تنبتسم له هذه المرة، ستستجيب لمشاريع عقلانية لطيفة عن مشاركة الحياة فقط، ولن تمشي باتجاه الشغف مرة أخرى.




.....

السبت، 20 أبريل 2013

الكروشيه وأشياء أخرى

.





بدأت الحكاية مثلما تبدأ كل الحكايات التي تبدأ في الطفولة،
أمي تتحدث عن الملايات اللي تشغلها بالورود،
تأتي بها من الدولاب المغلق دائمًا، وتفردها بعناية كأنها كنز، وتخبرنا كيف أنفقت الأيام وهي تصنع جهاز عرسها الجميل.

أمَّا خالتي التي أحبها فلم تكن تحكي عن أي شيء،
كنت أجد البلوفرات الملونة في الدولاب وأرتديها، فكانت خالتي تضحك وتخبرني أنها تخصها وأنها من بالكروشيه.
لم أكن اعرف عن الكروشيه أي شيء سوى أنه يحوَّل الخيط إلى ملابس مبهجة وغريبة.


في المدرسة تعرَّفتُ على إبرة الكروشيه، وعلى الغرزة الأساسية
وبدأتُ محاولاتي الأولى في عمل طاقية حمراء ببكرة صوف واحدة.
هذه الطاقية لم تصمد بعد الصف الثاني من الغرز،
تركتها لأنني لم أرغب في فكها مرة أخرى لإعادتها بشكل صحيح.

في المرحلة الثانوية ولسبب لا اذكرة قررنا صنع بلوزة مثل التي كانت تصنعها خالتي.
اشترينا أكثر من ثماني بكرات من اللون السماوي الداكن، وبدأنا العمل.

في هذا الوقت علمتنا خالتي كيف نبدا البلوزة بغرزة تشبه البليسيه
لا أتذكر الآن سوى شكلها النهائي.
أكملنا ثلاثين سطرًا تقريبًا وربما أكثر، لكننا لم نصمد.
هذه المرة انتهت حكاية الكروشيه تمامًا واتضح أنه يحتاج وقتًا طويلًا.


بعد الانتهاء من سنوات الدراسة سقطتُ داخل حفرة سوداء تبدأ بسؤال مبهم
ماذا سنفعل بعد ذلك؟
بدأت في تعلم التريكو، كان نسيجه متقنًا ومغلقًا أكثر،
واستطعت إنجاز كوفية جميلة وملونة.
بعدها بدأت أحاول في البلوزات مرة أخرى بالتريكو، لكنني كنت أتوقف عن العمل في منتصق الطريق، حردة الكم والرقبة كانت تقف في طريقي دائمًا.

ومن التريكو إلى الكروشيه مرة أخرى،
الكوفية تنمو بشكل اسرع بإبرةٍ واحدة، لكنها تستهلك خيطًا أكثر.


الكروشيه كان يشوِّش على الكآبة التي تخبرني بعدم جدوى أي شيء،
كنت أتحول إلى ساحرة وأحول بكرة خيط مهملة إلى كوفية تجلب الدفء وترفع درجة الأناقة.
مع الوقت أصبحت لا أتحرك إلا مع الكوفية.


تعرفتُ على صديقة في سن أمي، وكانت تصنع ملابس من الكروشيه هي الأخرى، كان لديَّ ملاحظات على الألوان التي تستخدمها، لكنَّ النتيجة النهائية كانت جميلة دائمًا.
صديقتي الجديدة علمتني كيف أصنع بلوزة كروشيه تبدأ من الرقبة، في هذه الطريقة نبدأ بعدد من الغرز يلتف حول الرقبة، ويتسع بالتدرج حتى نصل إلى فتحة الأكمام، ثم يتوقف عن الاتساع بعد ذلك.
كانت المحاولات الأولى ذات نتائج فاشلة، بلوزة مترهلة للغاية وممتلئة بعقد الخيط. بعد ذلك تحسن الأمر وبدأت البلوزات في إظهار جمالها الخاص.

منذ ذلك الوقت وأنا أصنع الكوفيات والبلوزات بالغرزة الأساسية، وأكترث لتركيب الألوان المبهجة معًا فقط.


منذ أكثر من شهرين بدأ الكروشيه يحتل مساحة أكبر من حياتي؛ بسبب أصدقائي الصغار.
لديَّ أصدقاء في بداية العشرينات، يسألون نفس السؤال القديم بصوت عالٍ
: ماذا سنفعل الآن؟
تذكرتُ كل أحلامي المنسية، والمختبئة بعيدًا داخل ذاكرتي.
كنتُ أحلم بصناعة فستانٍ من الكروشيه، يشبه الفساتين التي تظهر في المجلات. تعلمتُ منهم أن أحلم بصوتٍ عالٍ وأن أسأل الجميع.


صديقتي الأقرب وصلتني بصديقة لها مهتمة للغاية بالكروشيه،
هذه البنت جلست معي وتكلمت عن مفاتيح قراءة الباترون، وعن الغرز المختلفة وأماكن شراء الإبر والخيوط الأرخص والأفضل.
ثمَّ قالت لي كلمةً سحرية
"
how to crochet"
طلبت مني أن أكتبها على اليوتيوب وأن أشاهد الفيديوهات التي تُعَلِّم كل التفاصيل.

هذه المعلومة الصغيرة غيَّرت طريقة تفكيري؛
بعد أن كنت أتجه للبحث عن معلمة جيدة، أو كورسات مناسبة،
بدأ العالم ينفتح أمامي عبرعدد من النساء الشغوفات اللاتي ينقلن خبراتهن إلى أخريات؛ ربما يغيرن شيئًا في العالم.



الكروشيه يساعدني في تصديق الإمكانات البعيدة المتخيلة للأشياء البسيطة المتكررة .
يعيد ربطي بالدأب الذي أوشكت على نسيانه.
وينسيني كل هذا الألم الذي تتسبب فيه البائعات حينما أسألهن عن الفساتين الملونة في الفاترينة فيكون جوابهم الفوري " مقاس مين .... انتي لأ مفيش مقاسك".

أتعلم الغرز وأشتري الخيوط المختلفة وأذهب في الطريق إلى فستاني الخاص
أرتجل حلولًا للشكل النهائي، وأتغلب على ضيق المقاس واتساعه.

أكتشف عدم قدرتي على اتِّباع الباترون نهائيًا، وأتعلم أشياءً صغيرة من كل باترون أمرُّ به.

أبتهج بتجميع الألوان، وبالخيوط الجديدة، وبإنجاز قطع جميلة من الملابس.

كلًّ الملابس التي خضعت للخطة الأصلية لم تعجبني حين انتهت.
وكل الملابس التي تطورت بشكل مختلف عن خيالي خرجت بجمالٍ مبهر.

الكروشيه وحدة أساسية على طريقي، وإلا ما كان ليختفي ويظهركل هذه المرات.
هذا الحلم الطفولي ينبع من نقطة عميقة داخلي،
وينمو داخل حياتي الآن ويلونها.


..........


















made by: heykeltras coskun ozer



....

السبت، 13 أبريل 2013

احترس من فضلك القطار قادم

.









في الشارع المؤدي إلى البيت
تصطدم عيناي بظلمة شديدة
الرعب يفكك مفاصل قدمي
عليَّ أن أمر وسط كل هذا السواد بمفردي
ليس بإمكاني استدعاء أخي
واختي ستخبرني أن الظلام يسكن عيني 
والأوهام تحركني

أدخل ببطء ورعب معًا
أصل إلى البيت بعد معركة قاسية مع الخوف
لأجد معركة قديمة تنتظرني


في الطريق إلى المسرح
تسقط اسماء أصدقائي من الحقيبة
وأفكر في حبيبٍ لا أعرف اسمه
هل سيأتي ليصطحبني من أمام بيتي كما أرغب؟
كيف أشرح له أنني أخاف من الشارع
ولا أرغب في حمايته
أرغب في صحبته كي أنسى خوفي
فقط


في المسرح يخترق صوت المطربة قلبي 
ولا أعرف ماذا أفعل بنفسي
المطرب ذو العين الزجاجيه والرقبة الطويلة
يختزل إحساسه بالعالم داخل هذه الصوت فقط
والمطرب الآخر الذي لا يمتلك صوتًا رائعًا يغني بخفة روح نادرة
الممثلة لا تبكي إلا بعد انتهاء دورها
وتجعل خيط الدموع يصل نظراتي بالأرض

صديقي الذي أعيد التعرف عليه 
حينما يحكي
يجعلني أكره الفيس بوك
لأنه لا يعكس إلا شذرات بسيطة من جمال الآخرين

بعد الحفل أخبر المطربة التي دخل صوتها إلى أعماقي
أنها رائعة .... شيء ما في صوتي أوحى بالصدق
فاحتضنتني في محبة

أجري 
مثل كل النساء المتأخرات
أعيد اكتشاف المساحات الفارغة حولي
أرغب في الإئتناس بصحبة آخرين
لأن قلبي ثقيل عليَّ
...

فقط أحتاج أن أنسى 






.....









painted by: Barry Gross