السبت، 5 أبريل 2014

آسفي - القاهرة

.




.

"داخل الفندق على كرسي مواجه للشمس أجلس في انتظار الطعام، فراشة خضراء تلعب معي، وتخبرني أن أحدهم يفكر بي الآن، لونه الخاص يشبه هذا الأخضر الفاتح الذي يلون المحيط والسماء".

هذا المشهد يصلح كاستعارة مناسبة لرحلة غريبة وممتعة إلى المغرب، بدأت الحكاية برسالة على الفيسبوك تخبرني باختياري للمشاركة في المؤتمر الدولي للشعر في آسفي، ضمن مجموعة من الشعراء المصريين، المشكلة الأولى التي واجهتني كانت في تكاليف تذاكر الطيران التي يجب أن أتحملها.
بمساعدة الأصدقاء تمكنت من التواصل مع مؤسسة أضف، وأرسلت لبرنامج أضف جيران المخصص لدعم سفر الفنانين، وتمت الموافقة على طلبي، وقامت مؤسسة أضف بتغطية تكاليف تذاكر الطيران إلى المغرب .


وصلت إلى آسفي قبل ميعاد المهرجان بيومين، في الشارع المشمس كنت أملأ عينيَّ بالسماء والناس، أتناول الشاي بالليمون على المقهى وأترك أفكاري تتحرك كيفما شاءت.
الشجرة التي أجلس تحتها تمتلك نتوءات ناعمة تشبه الشيكولاتة بالبندق، والشجرة الأخرى عالية جدًا ومتصلبة، تشبه طفلًا مُعاقبًا يقف أمام السبورة ويرفع يديه إلى أعلى.
آسفي مدينة تشبه الإسكندرية، السماء تلمس البحر، البحر يموج برائحة القرنفل وأم الخلول معًا، الناس في الشارع يشبهوننا، يمتلكون نفس الملامح تقريبًا ولهجة لا أفهمها إلا إذا رغبوا في إفهامي ما يقولون.

أحدهم يكتب لي إهداءً طويلًا مُضفرًا بكلمات ناعمة عن الصدف التي لا تتكرر، وعن الملكات اللاتي يأتين من مصر إلى بلاده الملونة. يبتسم وتشرق أسنانه بالكامل، لكنه لا يسمح لكفي بأن يرتاح أكثر من ثانيتين تلزمان لالتقاط صورة واحدة لنا معًا، يضع لقبًا قبل اسمي، ثم يصافحني ويغرق في الظلام.

لا أبحث عن مغامرة عابرة داخل بلاد تخترع صيفًا وشتاءً في اليوم ذاته، ولا أسترق الحب داخل بلادٍ لا يعرفني فيها احد. خمس ساعات وهو يخبرني عن البنات اللاتي يتركن دراستهن، وعن المدارس التي تحتاج إلى درَّاجات وأصدقاء، لهجتي تتحول إلى صورٍ ملونة يمكنها اختصار الوقت، لكنها مع ذلك لا تمكنني من اكتشاف مخاوفه ذلك الجميل الذي سيختفي فجأة، دون نظرة طويلة أو حضن.


النساء في المغرب مبهجات، يضحكن في الشارع بصوتٍ عالٍ، ويمكن ملاحظة ابتسامتهن في الطريق، كنت أريد أن أكون وسط حلقة واسعة من نساء يثرثرن ويتحدثن عن حياتهن ببساطة لكنني لم أتمكن من ذلك، ربما في زيارة أخرى سأجد ما أبحث عنه.

صفية عز الدين شاعرة أمازيغية من مكان جبلي وبعيد اسمه ورزازات، تتكلم بلهجة أفهمها وتسألني بلطف: انتي فيه حد في قلبك؟ وحينما أخبرها أنني بلا قلب تضحك وتهديني ديوانها المترجم إلى العربية.
صفية تقرأني دون كلام، تربت عليَّ وأنا غارقة في الرعب قبل صعودي على المسرح، ودون أن أتكلم تقول لي: متخافيش كله هيبقى كويس.
أعرف أنني أعرف صفية من قبل، بصمة روحها تشبه امرأة لا أذكر اسمها أو ملامحها لكنني أطمئن إليها وأفرح بوجودها معي.


جميلة أبيطار شاعرة فرنسية من أصول مغربية، طلبت مني الانضام لمائدة الوفد الفرنسي بدلًا من تناول الطعام بمفردي، الكلمات القليلة التي تعرفها بالعربية ساعدتها على معرفة اسمي وبلادي ولم تسعفها لقراءة ما أكتبه للأسف، لكننا بكلمات عامية بسيطة وببعض الإنجليزية وعالم كامل من الإشارات استطعنا أن نتفاهم معًا.
لا أحد يعرف ما هو باب الونس الذي ينتظره في البلاد البعيدة، جميلة كانت الونس الأجمل والأكثر دفئًا خلال عشرة أيام مزدحمين بالآخرين.

أذهب متأخرة إلى النوم،
لكنني أتعثر في ورقة بيضاء
تضم قلبًا كبيرًا وكلمتين: "ليلة طيبة يا أختي"

يارب
لماذا تجمعني بنساء يفهمن روحي؟
لماذا تقودني إلى البراح بخطة لا أفهمها؟
هذه الجميلة التي أصبحت أختي، كيف سأتركها لباريس وحدها؟
لا أفهم كلامها ولا تفهم كلامي، مع ذلك نتصل جيدًا
امنحها الجمال الذي يشبه ابتسامتها، وازرع داخلها الأمل
تمامًا مثلما فعلتَ معي

يارب
أريدها أن ترقص داخل الفرح
وأريد أن تجمعنا معًا في براح يشبهننا

يارب
لماذا أتقاطع مع امرأة كان من الممكن أن أكونها في حياة أخرى؟


أبكي من الإنهاك الشديد والامتلاء بمشاعرلا أفهمها، جميلة لا تربّت عليَّ ولا تقاطع كل هذا التدفق، تجلس على السرير المقابل وتحدثني عن الشعر الذي يختلط بالحياة مثل اختلاط الدقيق بالماء، تخبرني بتفاصيل صغيرة عن حياتها تجعل الإضاءة تكتمل؛ كي أرى ما هو امامي دون ظلال.


الجدران والبيوت ملونة بنظام خاص يجعلني أكتم صرخة مبتهجة، وأتصور أحد أبطال رسوم الكارتون وهو يلون البيوت التي ستبدو مثل المكعبات الصغيرة أمامه.
الأخضر يتنوع بدرجات كثيرة، ويختلط بالأصفر والبني المائل للاحمرار، كل ما أفكر به أنني أريد ارتداء فستان ملون بالأرض والسماء والورود؛ كي أمشي داخل الجبل دون أن يلحظني أحد.

أحلم بأختي وابنتها، وأشعر بالأسى لأنني أمتلك ذاكرة ومشاعر ستمنعني من مغادرة بلادي، والعيش هنا داخل كل هذا الجمال.
أشتاق إلى أمي وإخوتي، أشتاق إلى كل ما يؤلم في بلادي، وأفتقد الجامع المواجه للبيت والغروب الذي يغير مشاعري كل يوم.




....

3 التعليقات:

abd ati Jamil يقول...

كأنها شعرزاد
سكتت
وشعريار
يرقب المزيد
من صمتها
من سردها الأخاذ ...

محبتي الشعرية
المغرب

إبـراهيم ... معـايــا يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
إبـراهيم ... معـايــا يقول...

مفارقة جميلة أن تكتبي عن رحلتك للمغرب، بينما أقرأ تغريبة العبدي :) اللي كان طالع من أسفي برضو م المغرب، لكن للحج، مش للشعر والكلام .. الجميل ده
:)
......