الاثنين، 1 أغسطس، 2016

هل تشتري حياتي؟





المرض يلوّحُ لي من غرفة الأشعة، فقرات ظهري ترسل أسئلة الامتحان وأنا لا إجابات لدي، الأطباء يختبرون جهلي بجسدي وأنا لا أتذكر متى استلمت هذه الجثة من المصنع.
الكتابة تكره المراهم وتحب الفوار، أستجلب الحب إلى حياتي بابتهالات يومية، أصدق أن الله يستجيب لي، الهواء نفسه يغير درجة حرارته بناءً على طلبي.
أسناني تواصل السقوط، جسدي يريد أن يغادر هذا العالم لذلك ينكل بنفسه في محاولة لاختصار الوقت.
أخاف من نفسي التي تطرز وحدتها برجل جديد، الونس ثقيل ومتسع ولا يريد أن يرتفع عن الأرض مثل أي بالون آخر.
أريد أن أطلب يد أحدهم، بعد أن طويت الحب عدة مرات ووضعته داخل السندرة، هو بدوره لم يعد يصرخ واستكان إلى هيئته الجديدة كأحد ألعاب الذاكرة.



اليوم يسقط السقف فوق رأسي وأرى شبحًا يحاول أن يتحرك، أغلق الباب بمفتاحين وأقرأ سورة الفلق. بعدها أقوم بتشغيل فيديو للدموع التي ترغب بالسقوط، كل ذلك حدث من قبل وسيواصل الحدوث.

إلى الرجل الذي يملك سيارة ذهبتُ، قلت هل يمكنني أن أتكىء عليك، قال أنا بكرة خيط قديمة وممتلئة بالعقد ولن تتمكني من غزلي أبدًا، إبرك الطويلة لن تفلح معي، لا أريد أن أكون معطفًا.
ثم طلب مني أن أمسح الهمَّ من يدي وقبل أن أمشي قام بطحن أصابعه أمامي كي أرضى.
حياتي مضخة للخيال العذب والخيال البارد، أبيع نفسي في الكتب مقابل 10 جنيهات وربما أقل، هل تشتري حياتي المصنعة داخل كلمات ورسوم، إنها زهيدة ومتوفرة بطبعات جديدة.

أنا لست متوفرة ولا حتى لنفسي، خطتي للهرب من هنا تكسرت بعد أن خبطتها بحذائي القديم، خطتي الأخرى فاسدة منذ سنوات وأنا أصر على استكمالها.
حبيب لا يصير قديمًا أبدًا يرسم لي قلبًا أحمر على الفيس بوك وأنا أحسد الكلام والصور وأقص محبته الافتراضية ثم أعيد لصقها داخل جدران غرفتي.
غرفتي لا تعرف البلوك، ولم تشاهدني وأنا أعيد بناء الحواجز الأسمنتية بيننا، على العموم لا يبدو أنني سأنجح في استعادته أو نسيانه.


صاحب السيارة يمشي معي مثل ظل، ينصت للكلام الذي يتدفق دون هدف ويقوم بمحو نفسه مرة كل خمسة دقائق.
وحدتي ترتدي قناع البهجة وتجلس بجواري، تحضن ذراعي وتهمس لي، أنا لست عارًا ولن تتمكني من إخفائي أبدًا، انظري إلى الشاعرة الأكبر، إنها تشيخ بينما وحدتها الشابة تبرق.
صاحب السيارة يقوم بتغليف روحه كي لا يطن حولها الذباب، لكنها ستفسد في النهاية مثل أي حلوى أخرى، تمامًا كما يفسد جسدي الذي يكبر خلف الملابس.

............




الصورة المرفقة من تصويري
باريس 2011

الجمعة، 24 يونيو، 2016

إلى صديقي






أنا خائفة يا محمد والبرد يتسلى بي، كلما اقترب طائرٌ من شجرتي أبتهجُ حتى ولو ظننتُ أنه سيرمي عليَّ حجارة من روحه، لم يكن طائرًا هذا الذي يجعلني أبكي الآن، كان طائرة استطلاع كل مهمتها قطف ثمرة صغيرة وخفية من قلبي كي يذهب بها إلى المعمل ويضعها تحت الميكرسوب ويكشف رسومها الأصلية. بعدها سيقوم بوضع خطة محكمة لتفجير الأرض التي أمهدها داخلي. خيالي لا يمكن لقاذفات اللهب أن تصل إليه مع ذلك قد أسمح أنا لأحدهم بالدخول هناك تحت سيف الحياء.
الرعب يستمر في تقطيع الحياة ووضعها داخل أكياس سوداء كبيرة الحجم، أنا خائفة من الحياة سابقة التجهيز التي يقدمها إليّ رجل يقول أنه يرغب في صداقتي.
لا أرغب في التواجد معهم وأشعر باليأس من كوني هنا داخل هذه النقطة التي تدور بي ولا تصلني بمشاعري المخبأة داخل كراستي الصفراء الثمينة.


البرد يتكاثر يا محمد، وأنا أحاول اجتلاب صورتك كي أتدفأ، لماذا لم أقابل رجلًا مثلك، هل كان سيراني كما تراني أنت. آه... لن يصلك هذا الخطاب أبدًا، لماذا وضعني الله معك تحت الشمس وجعلك ذكيًا جدًا ومرهف المشاعر، لماذا داواني بكَ ثم قرر أن يأخذك بعيدًا إلى دوائر أخرى، وإذا كنت أنت أعدت إلي الثقة والرغبة في الحياة فلماذا لايمكن لي أن أنعم بهما معك، أخبرني مرة أخرى عن القدر واقنعني لماذا يجب أن أتألم وأن أقع في عديد من الحفر الرطبة بينما أنت تلمع مثل شمس مصنوعة لي وحدي. خيالي يخبرني عن نهايات أليمة تنتظرنا في كل الحكايات، لكنني أفكر بحكاية ربما قد حدثت في زمن آخر، هل كنت ستطلب مني أن أكون امرأة حياتك أم أنك امتلكت جمالك عبر عدد من أطباق الشوربة المطهوة بيد زوجتك.
أريد أن أخطفك من بيتك ومن عملك ومن وجع أشمه ولا أعرفه، أنت صديقي الأجمل وأنا أريد أن أسرقك وأصعد معك إلى سماء أخرى لن تتمكن فيها من الصمت بينما الكلام يدور داخل عينيك وينضج داخل أصابعك.
لا تصدق كل ذلك، أنا خائفة فقط، مجرد امرأة خائفة تجد أثرًا من حنان داخل عين رجل جميل وصالح، رجل يؤكل بالأصابع وبالخيال.
أنت مسئول عن امرأة أخرى قامت بري جمالك وتدفئته كي يقوم بإنقاذي، هل تتصور أن بإمكاني أن أضيّع رجلًا أنقذني؟
أحبك معها داخل بيتك ولا أرغب في الاقتراب من جنتك البعيدة حتى ولو لم تكن جنة يكفي أن تكون فيها لتصير كذلك.


كل ما أكتبه الآن هو مجرد امتنان ملون بمشاعر مضطربة، لا تصدقني أبدًا، كنت مدلهة في حب رجل آخر وليس من السهل أن أنساه ببساطه.
أريد ترديد اسمه أمامك فقط كي أرى غيرة طفولية محببة ربما تكون من اختراع خيالي الوحيد.
أحب محمد الآخر الذي يطل منك أحيانًا ويرغب في الجري فقط، الأطفال يحبون اللعب وأنا أفرح كثيرًا وأنا ألعب معك يا أبي.


أخبرني إذن لماذا اقابل الأنهار في الطريق ولا يكون مسموحًا لي أن أرتوي منها، لماذا يجب أن أبتعد بعد أن يبتهج عطشي المسكين، احكِ لي عن الأخريات اللاتي ذبن في محبتك واحترقن بك دون ارتواء. هل توسلت إلى الله أن يمنحهن حياة جديدة مع أحباء آخرين أم أنك دسست لهن السحر في الكتابة كي يذهبن بعيدًا جدًا.


هل ستقوم بمعاقبتي الآن بعد أن تقرأ ما كنت تقرأه من قبل وهو يتشكل داخلي. لا تنكر رؤيتك لي، لقد رأيتك وأنت تراني وافتتنت بك هناك. لا تبتسم وتخبرني عن جماليات الرسالة ولا تحنِ رأسك برقة وأنت تكرر الشكر، ارفع عينيك إليَّ ولا ترد، لا أريد كلمات مقابل كلماتي، أريد شجرة باسمي.

كراستي ضاعت يا محمد، كل هذه الأوراق المثقوبة بنقرات خفيفة لطائر جريح، ضاعت ولم تترك لي نهاية درامية للحب، لقد أغلقت الباب فقط وأنهت كل هذا الغرام المعلق في الصفحات. فقدتُ كراستي وحبيبي معًا، وفقدتك أنت أيضًا لسبب لا أعرفه، أنا ثقيلة جدًا وهَمِّي يفيض، رائحته تلون الطريق وتصيبك بالأسى.


أعتذر عن الأسى الذي دخلك مثلما يدخل خيط في إبرة تناسبه، أعتذر عن الألم الذي لفنا معًا مثل هواء لا فكاك منه، كان قلبي مُفتتًا وأنت تجلس على الناحية الأخرى وتطلب مني أن أختار ما أحبه من قائمة الطعام.


خيالي يلعب بي، يرسم بابًا كبيرًا ويطلب مني أن أنتظر في الخارج لأنك قررت إغلاق بابك دوني، خيالي يلقي بي من النافذة لأن محبتي ربما تسبب الأذى. أنا أغلي داخل الحب منذ ولدت، حان الوقت لأتعلم قبول نفسي. أنا قطعة عجين لم تتيبس بعد، يحولها الحب إلى أرغفة ساخنة وأطباق من الرمان وكيك البرتقال. إذا لم يأكلني أحد سيتغير لوني ويقتلني العفن.

 ....

2015/2016







اللوحة المصاحبة للرسالة من رسوماتي
....

الأربعاء، 22 يونيو، 2016

سوبر لوكس


بعد ثلاثين عامًا لن تجد لي أثرًا في المجلات الأدبية، سيكتبون اسمي حين يرغبون في إحصاء عدد الكاتبات. لن يكون لي أثرٌ وكل ما أكتبه الآن سيتلاشى وأنا أقف بصفتي العددية كي أسند طابور النساء القصير.
المنسيون يبتسمون الآن: كنَا نقول ذلك ولم نكن نصدقه، لكنها الحقيقة. كل ما تكتبينه يقع في المسافة بين ما هو مكتوب من قبل وما سيُكتب غدًا، أنتِ مجرد قطعة داخل سلمة صغيرة لا تقارن بالأدوار العظمى، أو ببراح الانتقال إلى صفحات أخرى.
أريد أن أترك أثرًا، هذا العالم لم يتيبس بعد وهناك حتمًا مساحة لقدم أخرى.
-         قدمك تالفة يا بنت
-         من الذي يتكلم الآن؟ ومن هي البنت التي تقترب من الأربعين، الأفضل أن تخاطبني باسمي المجرد أو باسمي مسبوقًا بطنط.
إن لم أكن قد تركتُ أثرًا بالفعل فلا أثر لي. 


آلة الزمن لا تعمل، أريد تسخين الوقت قليلًا أو ربما تبخيره.
سيطبعون صورتي على أوراق البنكنوت غدًا، لكن أمي لن تتعرف علي، بل ستسخر من صورتي: أنت من أيام الصور الصامتة وهذه الصورة تتكلم.
يجب أن أرتكب جريمة سوبر لوكس، تليق بشاعرة تغرق في السنتمنتالية وتخاطب نفسها بلقب "بنت".
سأقسم أمامهم أنها دست السم لأبي، وسأراقب أمي بتشفي وهي تركب البوكس الذاهب إلى القناطر، أما أبي فسأعيد إيقاظه كي يلعب معي بنك الحظ، المشكلة أنني يجب أن أقتله فعلًا كي أستطيع إعادته إلى الحياة مرة أخرى.
أنا أصرخ إذا مر بي فأر في الطريق، ولا أجرؤ على ذبح دجاجة، ثم إنني بلا أب وأمي تستطيع قراءة أفكاري، وربما تتخلص مني قبل أن أبدأ في تنفيذ خطتي الكاملة.




.......
اللوحة من رسوماتي

الثلاثاء، 24 مايو، 2016

إلى: جاكسون بولوك






أريد أن أمزق هذا العالم بعد أن أنتهي من تقشير البطاطس، أظفاري ستتسخ ويتكسر طلاؤها مع أن الحياة لا تحتفظ باللون. خذني معك يا بولوك، اللوحة تتطور بمفردها دون أن أمسها، لم تعد تحتاج إليّ، تواصل النمو كما لو أنها شجرة.
اللوحة تنمو في غيابي وأنا أشعر بالغيرة، لماذا أكتب، من الأفضل أن أكون كلمة.

لن أحصل على الشغف لفترة ربما ستكون طويلة، هذا البريد أكل عناوينه كلها.
لا أريد أن أشاهدك وأنت ترسم، أريد أن أسكر معك دون أن تحولني الخمر إلى بكاء.
هل يبدو هذا النص متماسكًا، أنت لن تقرأه أبدًا ولا الممثل الذي قام بدورك في الفيلم.

هناك معجزة سرية تقوم بها أمي نقلًا عن خالتي الكبري التي ورثتها عن جدتي، أمي تحاول استبقاء المعجزة معها، لن تمررها إليّ، لست ابنة مطيعة بما يكفي كما أنني لا أعرف أبدًا متى ينتهي النص.
زوجتك تربكني، تكتفي بك وتتوقف عن الرسم أوتمارسه بيقين أنك الرسام الوحيد في العالم. أريد زوجة مثلها تعتني بي كما لو كنت إلاهة، وتغادرني في لطف حينما أقرر أن ألعب بذيلي خارج الزواج.

إنها الثالثة صباحًا واللحم يغلي في المطبخ، الإلهام لا يأتي إلا في الحفلات الماجنة يا عزيزي، الإلهام لعبة أستخدمها حين تخذلني روحي، ولا أعرف المجون على الإطلاق أكتبه فقط وأتظاهر أنني جربته، ربما جربته في حياة أخرى ونسيت.
أنت تفرم جسدك كي ينضج أسرع، وأنا أحول إناء الطهي إلى برنامج توك شو.

لماذا كنت تنظر إلى أخيك كما لو أنه أنهى علاقة حميمية بينكما، لم أفهم عينيك، كنت أود لو أقفز إلى رأسك وأنت تكتشف سحر الألوان السائلة.
زوجتك ستقدمني مع القهوة في الصباح وأنت ستتظاهر بأنك لا تتعرف عليّ وأنا سأسترخي في الطبق مثل أي قطعة خبز أخرى.
أريد أن يكتشفني أحدهم ويقدمني إلى حياة أخرى، سأواصل الشك مهما حدث، أريد مزيدًا من الكلام الناعم، سأبشر برتقالة كاملة في الإناء فقط إذا اهتم أحد بالنظر إليه.









...........
اللوحة للفنان: جاكسون بولوك

الأربعاء، 7 أكتوبر، 2015

إلى: رضوى داوود (الجميلة في الغابة الباردة)











صور الغابة الروسية تظهر فجأة على الفيس بوك، تُذكّرُني أن هناك حيوات أخرى بانتظاري، غالبًا كنت سأنام تحت الشجرة وأنتظر أن تنمو الأوراق على أطراف أصابعي.
أريد أن أزورك في روسيا، الغابة الباردة ستُحسِّنُ مزاجي وربما تعيد صبغ قلبي.

اليوم هو مجرد تكرار ليوم سابق، قابلت رجلًا مدهشًا، وقبل أن يبدأ فيلم الحب الجديد، هجم جيش من النقط السوداء وانقطع الإرسال، هذا العطل كان كافيًا لأن أغادر المكان بسرعة وأنا أضحك. أمسك بإبرة الكروشيه وأغزل شيئًا آخر سيكون ملونًا ومبهجًا، أشاهد أفلامًا متتابعة كي يتسلى الخيط وهو يفقد حريته داخل النسيج.


بالأمس صادفت رجلًا بلا فم، كان أنفه ناعمًا جدًا وجميلًا، نصف وجهه الأسفل مغلق بلا فتحات. لا أعرف كيف سمحت لروحي بالاقتراب منه، لكنني أحببته أو هكذا أتصور، وإلا كيف سمحت له بالبقاء معي.
كنت معه يا رضوى، وكان أنفه يلمس جسدي بحبٍ لم أصادفه من قبل، أنفه ساحر يا صديقتي، لقد قام بتفكيك عُرى جسدي، وغمرني داخل نشوة لا أعرف استعارة تشبهها. لكنه اعتدل فجأة وأخبرني أن رجلًا آخر يسكن عظامي، ثم قال وهو يبتسم بمرارة: "الصورة ماتزال جديدة يا غادة ... لماذا سمحتِ لي بالاقتراب الآن؟"

كدت أن أصرخ قبل أن أمسك يده لأمنعه من المغادرة، أخبرته أن بإمكاني تصفية دمي. بكيتً تحت أنفه ثم أقسمتُ أن صاحب الصورة لم يترك أثرًا واحدًا بجسدي، لكنه طبع نفسه الملونة على صفحة روحي.

صُوري على الفيس بوك تنال لايكات وتعليقات تتجدد مع كل صورة، ما أكتبه يبدو تافهًا مقارنة بصورتي، ما أكتبه أجمل مني يا رضوى لكن ما يقع تحت النظر يقترب أكثر من القلب. وأنا أشبه الجميع، نظري يشدني؛ فأمشي داخل رمال متحركة تحتفظ بي لسنوات طويلة.
أعيد تركيب ابتسامة قديمة، أسحب الموسيقى الناعمة من ذاكرتي وأستبدلها بمهرجان صاخب، ثم أحرّك الابتسامة ذاتها داخل فيديو يحتوي على إعلانات مملة.
لا أرغب بتعذيب أي شخص مع ذلك أتمتع بمشاهدة صورهم تلهث داخل دوائر خالية من الشغف.


أما أنا فسأواصل الكتابة كي تنمو لي ملامح جديدة.
مع الوقت ستحمل كل رسالة رائحة تخصها، سيهتز الكمبيوتر كلما اشتد الهواء لأن شجرة كبيرة من الرسائل تسكن ذاكرته.
كل من أعرفهم يحولون مشاعرهم إلى كلمات ميتة تتشابكُ معًا دون أية محبة، أخشى أن تكون كلماتي مكررة مثل طبيخ بائت، أو أن تكون عجوزًا فارغة من الأحلام.
لست متأكدة مما أكتبه يا صديقتي، ربما لعبة الرسائل هي قناع جديد أخفي نفسي تحته،
وأخترع امرأة كنت أحب أن أكونها.

.......
غادة خليفة
2015






نُشرت في الأخبار عدد الأثنين 5 أكتوبر 2015






..............

الاثنين، 15 يونيو، 2015

إلى محمد




كُتبت هذه الرسالة ردًا على رسالة محمد التي اخترتُ عدم نشرها


......





أريد أن أنسخ رسالتك بأقلام ملونة على كراسة رسم، ثم آخدها إلى قلبي وألتقط صورة معها، كل هذه السنوات لم تكن خيالًا خالصًا في محبة الوهم. كلماتك تأتي بعد أن داويتُ روحي منك، قلتُ لها: "كان سيعذبك فأنقذكِ الله، جماله يغيض مع الأيام، توقفي عن دق الحائط، لا باب هنا ولم يكن أبدًا".
الحب يملأ رسالتك مع أنك ستستيقظ كرجل آخر، ستخبرني أنك مريض بالهلوسة، وأنني لم أمر ببالك ولو لمرة واحدة. الرجل الذي كتب الرسالة الآن لا يملك بوصلة حياتِك، غدًا ستنكرني يا حبيبي، ستقول كنت سكرانًا يا صديقتي، وسيتردد صدى صديقتي مصحوبًا برغبة في الصراخ.

لم أكن أنتظرك، كنت أنتظرحبيبًا بإمكانه أن يشفي روحي منك، أنت أنت ..... أنت.
أريد أن أنتهي من محبتك التي تنمو دون أن أرعاها، ودون أن يمسها مطر، شجرتك ورافة وأرضي خاوية على عروشها.
كيف استطعت أن تطبع كفك بكل هذه القوة.


كنت أفكر في الانتحار، أن أكون معك يساوي أن أنتحر.
تمنيت من الله أن يجمعك بامرأة تسعدك، ولما ذهبت بعيدًا ابتسمتُ للسماء، وفجرتُ روحي داخل الكتابة.
في المستقبل ستحب امرأة جديدة، وتنتحي بي جانبًا لتقول: "أحببتها منذ النظرة الأولى، الشغف بيننا يربك روحي"، ستقول ذلك دون أن تلتفت للشروخ التي نبتت وأنا أخترع عذرًا جديدًا كي أختفي.
أنا هذه المرأة التي تعذب نفسها بكَ، وبدلًا من أن تغلّق الأبواب أمامك، تعود إليك بفرحة كلما أردت قطف وجنتيها، أو مشاهدة عينين تفيضان لك وحدك.

خطابات كثيرة تكاثرت في غيابك، ومحبون جدد، روحي برئت منهم جميعًا إلاك.
أنا لا أعرف يا حبيبي من أين ينبع أثرك عليَّ.
أخشى أن أعترف بسطوة جمالك، هل يمكن لامرأة أن تعترف أنها تحب شخصًا لجماله، للطريقة التي نحت الله بها ملامحه وليده.
يدك وحدها بإمكانها خلق أصابعي.

لا أريد هذا الحب الذي يُضعفني، أنت تتلاعب بي، تريد محبتي بالكامل دون أن تبادلني محبة بأخرى.
كيف صنعك الله يا محمد، من أي مادة تم صك قلبك؟


بالأمس صارت السماء كلها خضراء لأجلك كي لا تشعر بالوحدة، الطبيب طلب مني أن أسجل خطواتك بالفيديو، وأن أغني لك بلغات جديدة.
الغناء القديم لم يجعلك تقترب خطوة واحدة.
أغني على أمل الذوبان داخل اشتياق لا يَشبع.
لا أصدق أن بإمكاني الاستيقاظ أمام ذاكرة متخمة بك مرة أخرى. لا أريد التخلص من أفكاري عنك، أريد الاحتفاظ بها طازجة لأطول وقت ممكن، أنتظر صباحًا آخر مغمورًا بمحبتك، سيأتي.

أنا قوية يا حبيبي وإلا كيف كنت سأُخضع ضعفًا جارفًا كهذا، كيف كنتُ سأمتلك الجرأة لأرفض أي شيء منك أقل من الحب، أقل من النسيج أيها الولد الذي ترك ذاكرته داخل بيت لا يسكنه أحد.
التراب يتراكم على صورنا، الصور التي لم نلتقطها أبدًا وظلت تحاول أن تولد دون فائدة.
الوهم يعيد جدل نفسه، مشنقة حبك ناعمة وأنا لن أموت بك مرة أخرى.
لماذا لم تسمح لي باختبارهذا الخيال، ربما لم يكن ليصمد أكثر من إسبوعين، كان اقترابنا سيقشر لون طلائك لأرى لُب قلبك. كنت سأتركك بعد القبلة الأولى غالبًا، خيالي عنك يسعدني أكثر منك.


اليوم كنت أحلم بك تتشبث بي وتقبِّل ذراعي في رقة، أصحو مفعمة بك ... صرت لا أرغب في اليقظة يا محمد. صديقتي تخبرنني عن طاقة كهرومغناطيسية تتحرك في المسافة بيننا، وأنا أعرف كل ذلك من ابتسامتك وصمتك الطويل قبل أن تمد يدَك لمصافحة عَجْلى.
لماذا تبتعد وتقترب، كل هذه الكهرباء توشك على إتلافي، أنا مهددة بك، عطشي يكتمل وأنت تقترب وتبتعد دون ارتواء.
اذهب بعيدًا يا محمد، أو تعال إليَّ وكن معي، لا تنس أنك كنت نمرًا في أحد الأيام، واملك زمام حياتك مثل أسد تكونه الآن. أحبني كما أنت وطر معي ... طر معي أيها الطائر الذي لا يرغب في الطيران.


أمي تملك خيالًا يمكنه نسج آلاف الإجابات. تعلمتُ منها خبز الصور وتنقيحها وعرضها داخل فتارين الكتابة. سأخبز إجابة عن محبة تخفيها ، وأثرًا لي في نفسك ليس بإمكانك محوه أبدًا. سأصنع هذه الإجابة كي أخبر صديقتي أنني لست طرفًا وحيدًا في محبة تتكاثر، ولأربت على قلبي.
أريد هذه الإجابة لأن الإجابة الأخرى تُدميني.
وحدتك تشبه وحمة مطبوعة لا يمكن لأحد أن يخدشها، ولا حتى انا.
أنا التي مررتُ ببالك داخل وجع عظيم، وتكفل الشغف بكتابة الرسالة.
الذكريات تتمدد وتنسج لي أجمل رسالة تلقيتها في حياتي.
تريدُ أن تشرب من نهر قديم ورائق.
آه
أمي علمتني أن اختار إجابة تؤذيني؛ لأن الإجابات المبهجة لا تحدث لي.
أنت أجمل إجابة لسؤال يتكرر.
أنت تملأ عينيَّ يا حبيبي، متى سينتهي كارت الشحن الذي منحتني إياه في المرة الأولى، هذا الحب يحتاج أن يموت لا أن يتظاهر بالموت.


الرسالة لا ترغب في الاكتمال، كلما أردتُ أن أرسلها إليك تزجرني وتخبرني أن سطرين زائدين سيقومان بخلق معنى آخر، العفريت الذي ينام أسفل سريري يخبرني أن الكلمات تنتقل إليك بمجرد كتابتها؛ لأنك زرعت كاميرا صغيرة بين أصابعي. ومن دون عفريت أعرف أن فخ الكلمات لا يناسبك.
يجيء بك طُعم النعناع الجاف الساكن في برطمان الشكولاتة.
لا أحتاج إلى اصطيادك
أنت تأتي بإرادتك الحرة إلى أحلامي
وتطلب مني أن أواصل الكتابة فقط.


الشوق يهبط الجبل بوجع مر، لماذا رفعتني مع الهواء إذن ؟
يدي تلمع بجوار يدك المنحوتة من خشب ذو رائحة حارة، يدي كتلة الأسمنت الجافة تتقشر.. تمتليء باللون وتصبح فائقة الحساسية تجاه ملامسة خفيفة ليدك.
لقد شربتُ ماء العمل، سحَرَت لي امرأة لا تحبني، فأصبحت أكره جسدي واحمله مثل صخرة ، أنت السمكة التي تُبطل العمل. أحتاج إلى البقاء جوارك كي يعود جسدي ساحة للبهجة وأرجوحة ناعمة تهتز. أنت سمكة متوحشة تريد أن تكسر الحائط، مع أنني قلت لك من قبل أنك مغمور بالماء، مع ذلك كل ما تراه عينك التائهة هو الجدران.

لا أستطيع مقاومة جوعي الذي تظهر له مشويًا ومقدمًا على طبقٍ يلمع، حتى لو ظل جسدي حجرًا للأبد، على الأقل سأعتاد هيئتي ولن أتبدل ابدًا.
لا لن آكلك بل سأفرغ عالمك من المياه، سأذهب بعيدًا جدًا كي تفقد القدرة على التنفس.
أنتَ كلبٌ يا حبيبي.. هل أخبرتك بذلك من قبل، لن تسعدني أيها الكلب الخائف، ليس بإمكانك أن ترتدي بدلة سوداء وربطة عنق وردية لالتقاط صورة تذكارية لنا معًا. أنت كلب وكل ما يمكنك فعله هو التمسح بي والجري ورائي ونطق اسمي عبر نباح طويل ومستمر.


........
يونيو 2015











.............
لمزيد من المعلومات يرجى الذهاب إلى لجين
وماسنجر







اللوحة المرفقة من رسوماتي

 

الأربعاء، 29 أبريل، 2015

حبيب إلكتروني








  Elmozz
 إنتي أحلى حاجة في حياتي
 
Elhelwa
قول والمصحف

Elmozz
والله العظيم

Elhelwa
صمت
 وبارتباك قالت: ( أصل أنا عمري ما كنت أحلى حاجة في حياة أي حد.)

Elmozz
كدب... أنا متأكد إنك كنتي أحلى حاجة في حياة ناس كتير، بس هما ما قالوش ... خافو.. صدقيني
أنا عارف بقول إيه.



تأخذني الرسائل إلى بحر بعيد ومدن لا أعرفها، فقط أشم رائحتها داخل الكلام.
الحبيب الإلكتروني يجذبني بخيوطٍ ناعمة تتشكل ببطء عبر 2463 رسالة. لا أعرف كيف بدأنا الكلام/الكتابة، ولا أعرف إلى أين سنذهب معًا.
كلما تحادثنا سويًا أفرح، تختفي آلام معدتي وأغفر كل ما حدث في اليوم المظلم، أمتليء بالسعادة لأجل بضعة رسائل مكتوبة بحب معلن.

لديَّ مشكلة في الثقة، كيف أترك نفسي داخل علاقة تنمو مع رجل لم اره ولو لمرة واحدة، صورته فقط هي كل ما أعرفه عنه. صورته ومكالمة قصيرة في التليفون كي أتأكد من درجة الحنان.

أحيانًا أفكر في الذهاب إليه لكن أفكاري ليست كما احبها أن تكون، مازلت معلقة بخيال الأفلام القديمة حيث الرجال يعانون الصعاب كي يكونوا مع حبيباتهم ولو لدقائق قليلة.

إلى أين يأخذني الحب؟
قسوتي تكسرت مع الوقت، فلم يعد بإمكاني الهرب كما كنت أفعل دائمًا.
وسط كل هذا العطش حتى الوهم سيكون هدية مفرحة.
صديقتي توقفت عن مراسلة حبيبها الافتراضي بعد أن تعلقت برجل من الواقع، أما أنا فلا أحتاج لمقابلة أي شخص كي اعرف أنني أحتاج إلى أكثر من مجرد رسائل مكتوبة.

في بلاده البعيدة يرسل لي الهدايا مع الأصدقاء وسائقي السوبرجيت، لماذا يتكبد عناء إرسال الهدايا لامرأة لا يريد منها سوى الرسائل فقط.
صديقتي التي تزوجت حبيبها الافتراضي تشجعني على التورط أكثر وأنا أشفق على نفسي من ألم عظيم يطلَّ من المستقبل.

المسافة بين الحقيقة والكتابة ترعبني، لست لطيفة كما يظنني، غضبي لا يُكتَب، ومشاعري المنفلتة لا يمكن ترويضها.
صوري لا تشبهني، أختي تستخدم الفوتوشوب كي تجعلني أجمل في الصور.
أنا ممتلئة جدًا وخطوتي بطيئة، وكلما كتبتُ:(نا مش رقيقة زي ما انت متصور) يكتب:(بحبك يا مجنونة).

....
2013


الثلاثاء، 24 فبراير، 2015

تحت شجرة الكتابة – أريج جمال وغادة خليفة









الرسالة الأولى
إلى غادة
عن التًرْك


هذه واحدة من المرّات القليلة التي أرى فيها الشمس كاملة، وألصقُ عيني  بقرصها، كانت تأتي اليوم من جهة لم أصادفها فيها أبدًا، أصابني نورها بالحُرقة، وامتلأت عينيّ بالدمع، تعثرتُ في الطريق، لأن النور كان طاغيًا على كل التفاصيل، قُلت ربما تصدمني سيارة ما أو مارّ، تمهلتُ وحاولت تفادي مواجهتها، النور أيضًا يُصيبنا بالعمى يا غادة... لم أستطع أن أطرد فكرة كون هذا الحدث النادر قد وقع من أجلي اليوم، الشمس تُريد أن تقول شيئًا ما، وأنا غير واثقة، حتى الآن، من المعنى.

 في جوتة وسط البلد، حين اجتمعنا للمرة الأولى مع الألمان، على الغداء، كانت سيدة ألمانيّة شقراء في أواخر الأربعينات، قوامها طويل وثيابها بسيطة، تجلسُ إلى جانبنا، تبدو الآن في ذاكرتي خيط مشدود بنعومة، مثل وتر ربما، جميلة، هذا الجمال الذي يحمل رسالة ما، في الواقع لم تكن ضمن المسئولين المُباشرين عن المنحة، كانت فقط زوجة مُدير البنك، بدت لنا أكثرهم ودًا آنذاك، قالت أشياء، لم يكن بإمكاني وأنا أحاول تجنب الطعام الذي سيؤذي القولون، أن أتأملها كُلها، لكن كان ثمة معنى ما وحيد عَلق ضمن محاولاتي للنجاة من الألم، لقد تحدثتْ عن التركْ.
شجاعة أن تتركي الأشياء حين ينبغي أن تختاري أشياءً أخرى، كان الشيء الذي تركته هو منزل أسرتها، حياتها المُستقرة والمُمتلئة بالمحبّة، كي تصبح زوجة وأمًا، بيت جديد قائم على الترحال من وطن لوطن، تكلّمت عن جمال الرحلة الطويلة التي لم يأنْ لها أن تنتهي بعدْ، قالت إنها ربما تتركْ لأحفادها كتابًا عن هذه الحياة المُمتلئة بالتجربة، هذه التي عاشتها كاملةً بمسرّة، لكنها لن تنشره أبدًا، سوف يكون كتابًا خاصًّا جدًا.


أتدرين يا غادة... لم تُشجعني جدتي قط على الرحلة، لم تُخبرني حكايات لطيفة عن النساء اللواتي تذهبنْ للبحث عن الجمال، لم تحبني جدتي بما يكفي، هذا عادي، لكنها أيضًا لم تستطع أن تراني كحفيدة خارج كادر ثياب الزفاف مع رجل ببذلة أنيقة، لا ألومها الآن، لا أفعلْ لأنني أكتشفُ جمال الرحلة بنفسي، دون أن يُخبرني أحد.
مازالتُ أظن أن الكلام عن الترك يومها، كان موجهًا لي اصطفاءً، لأن حياتي سوف تكون بروفة ممتدة على الترك؛ كل الأشياء الجميلة التي وقعت لي، كانت لأني تركتُ شيئًا ما، كلها تنويعات على الترك، في أوقات كآبتي، أسمي المسألة "الفقدْ"، أُعدد الأشياء التي سقطت مني ولم تستمر، أرويها بحزني، فلا تكبر، وأفهم تدريجيًا، أن الذي تبقّى معي، هو فقط الذي كان سيبقى، لا أمتعة زائدة.


أنتِ لا تعرفين حكاية محبّتي العظيمة للغة الفرنسية، كانت السيدة اللطيفة التي أجرّت معي الاختبار الشفاهي ذلك الصباح البعيد، لا تُصدق أنها المرة الأولى التي أدرس فيها الفرنسيّة، تحدثنا عن أغاني إيديت بياف، وإنريكو ماسياس وداليدا، رأيتُ الطرب في عينيها من النغمات المُستحضَرة وفكرتُ في كتابة نص عن وجهها الصبياني- لم يحدث أن كتبته أبدًا- كنتُ أعرف أن ثمة سرّ بيني وبين هذه اللغة، وعرفتُ أيضًا أن هذا السر لن يكتمل، تركتُ دراسة الفرنسيّة من أجل معهد النقدْ، بعدها حاولتُ أن أجمع مالًا كافيًا لبداية دورة جديدة، وحين جمعته فعلًا، فزتُ بالمنحة الألمانية وتغيّرت حياتي بالكامل.
الآن تُشاغلني لُغة جديدة، لا يراها الجميع لطيفة، لُغة تمنحني شيئًا ما خاصًا، لم أفكر لحظة في وجوده أصلًا، أريدُ أن أتعلّم الألمانية، لقد تركتني اللُغة الفرنسية، أقول تركتني وأنا أعرف إنه فعل مزدوج، الذي تتركينه يا غادة يتركك، كان يمكن أن أستكمل دراسة الفرنسيّة وأترك المعهد، لكنني لم أفعلْ.


 أنا أخاف من الأشياء التي سأتركها يا غادة، أخاف، لأني أعرف أنني سأتركها، وأن المسألة تتعلّق بالوقت، أخاف لأنني رُبيتُ على تفضيل أمان الاستقرار على جمال الرحلة، أخاف أيضًا لأني مُحمّلة بميراث الجدّات، اللاتي، لم يفعلنْ شيئًا لأجلنا، فكرنْ في أنفسهن، في كيفية قضاء الليالي الفاترة بأقل خسائر ممُكنة، كخيار وحيد للحياة.
تخليتُ ذات يوم عن حبيب مضمون، لأن الفضاء يُناسبني أكثر، لم يحدث حتى الآن أن أتى الرجل الذي سأغني له مع بربارا سترايسند My Man ، ولم يعد في قلبي هذا الحُب العظيم الذي يلوِن الدُنيا، مع ذلك أمضيتُ ليلة بديعة مع رجل لا يعرف لُغتي، على الورق. تخليتُ عن أحبائي مُبكرًا جدًا، قلتُ لروحي أنني أتخلى عنهم قبل أن يتخلوا هُم عني، والآن أفهمْ فقط لقد تركتُ الأمتعة الزائدة.


ثمة أشياء مازالتُ أندمُ على تركها، هذا صحيح، هذه أصلًا التي تُرعبني من فكرة الترك، أقول لروحي لا بأس sometimes it doesn't work  ، في الواقع لا شيء يستحق الندم، الحياة مُمتلئة بالحياة، والكرة الأرضية ليس لها نقطة نهاية، أحيانًا لا أكون قادرة على إدراك هذا بالكامل، ولهذا طبعًا أشعرُ بالندمْ.
في زمن ما كتبتُ، وحيدة كالشمس، لا أحد يُشبهني، لا أحد أنا.
هل تظنين أن هذا هو المعنى يا غادة؟
أحبكِ.
...........
أريج
14-2-2015








إلى أريج




لماذا أكتب لكٍ عن ترك الأشياء وأنا أرغب في الكتابة عن الأشياء التي ترفض مغادرتي، تترك رائحة ما بذاكرتي هي مفتاح الصور، الصور تتسع وتتحول إلى مشاهد كاملة تستحوذ على خيالي وتقوم بإتلافه بالكامل.

كلُّ شيء يُلقي بظلِّه على الطريق، إذا كان الحب يعبر أمامكِ سيقومُ بلاط الأرضيات بتلوين ذاته، وسيتحولُ سقف الغرفة إلى سماءٍ تتسع.
الأحجار الصغيرة ستتساقطُ إذا كان الحنين هو القادم بمواجهتكِ.
الطريق لن يكون موحشًا أبدًا مع ذلك بإمكانه أن ينتهي فجأة.

أريد أن أحكِ لكِ عن وقتٍ سيأتي ستتحولُ الكتابة فيه إلى غرزة واحدة ملونة وسط نسيج بائس ومهتريء، ليس بإمكانها أن تتكاثرلتصنع نسيجًا جديدًا، ولا يمكنُ فصلها عن النسيج وحمايتها في مكانٍ آمن.
كل ما عليكِ فعله هو الاحتفاظ داخلك بفكرة واحدة فقط، هذه الكتابة التي هي غرزة وحيدة تمتلك قدرة خاصة على ابتلاع العالم، ويمكنها –إذا شاءت- اختطافكِ والطيران بكِ بعيدًا جدًا.


 سيأتي الوقت الذي سيخبرك فيه الجميع من داخل نفسك ومن خارجها أنه لا فائدة من الكتابة ومن الحياة ذاتها، وربما تجدين نفسكِ داخل شرفة عالية قبل الفجر والفكرة المظلمة هي كل ما تملكين، حينها اسحبي نفسكِ إلى التليفون، اتصلي بالدفء أينما كان ولا تتوقفي عن البكاء والكلام، ثم ضُمي الفكرة المقتولة إلي كراستك، ولا تخبري أحدًا عن الحياة التي كادت تتحول إلى موت.


الكتابة التي ذهبت معكِ إلى أوربا، ستتمكن من الذهاب معكِ إلى العمل، وستجلس بين أصدقائك بوصفها أقرب صديقة إليكِ.
الكتابة لن تتبخر إذا أتى الحب، قولي للرجل الذي يطلب محبتكِ: "لديَّ ابنة تحتاج إلى رعايتي ومحبتي ووقتي، لديَّ ابنة لن أغامر بتربيتها مع رجلٍ يكرهها، إذا كنت تريد امرأة خالصة لكَ فاذهب بعيدًا ولا تلتفت أبدًا إلى امرأة تكتب."


الكتابة لن تهرب منكِ لأن جرعةً زائدة من الوجع تطفر من عينيك باستمرار، ولن تطلب منكِ توسيع ملابسك، لن تخبركِ أن زميلتك في العمل أجمل، ولن تغضب إذا توقفتِ عن زيارتها، ستنتظرك دائمًا، وحين تعودين ستخبركِ أن المسافة أنعشت روحك، وأن قلبك ينبض بكلام جديد.
الكتابة ستسمح لكِ بأن تكوني طفلتها، ستكون مرآتكِ السحرية التي تسألينها كل يوم: "من أجمل امرأة في العالم؟"، فتهمسُ : "العالم ليس مهمًا على الإطلاق ... تعالي نلعب معًا."
.....
غادة خليفة
2015










.........

painted by:Cesare NOVI
.........



.