الأربعاء، 30 أبريل، 2014

إلى ضوي









تسألني حفيدتي الآن أو في زمن آخر:

-  "ماذا كنت تفعلين يا جدتي حين كان يتم إعدام المئات ببساطة، وأنتم على وشك الدخول إلى حكم عسكري آخر، ماذا كنت تفعلين في أيام كانت الحركة فيها داخل الشارع خطرة، وليس من المستبعد أن تنتهي حياتك برصاصة طائشة أو في أقسام الشرطة تحت التعذيب؟"

-   كنت أكتب الرسائل المزيفة إلى أصدقائي، وأنشرها على المدونة وبعد أن أنتهي من غسيل الصحون أبتسم لأن اليوم مرَّ دون خسائر.


لماذا أكتب إليك رسالة مزيفة يا صديقي، وأنا أتبادل معك رسائل حقيقية، يمكنني اقتطاع أجزاء منها ونشرها هنا.
لا أرغب في صنع مفاجأة صغيرة لك- مثلما كانت رسالتك بالنسبة إليَّ-، إنني فقط أتحايل على الكتابة التي لم تعد تأتي، أقول لها تعالي ولن أطلب منك أكثر مما تودين منحه حقًا.



كنتُ أقف بجوار الباب ريثما تنتهي أختي من البحث عن المفاتيح، ورد كانت تمسك يدى اليسرى ويدي اليمني تمسك الباب، عيناي مع أختي تبحث وتراقب البحث، قلبي داخل يدي اليسرى التي تتمسك بورد.
ورد ترغب في الإفلات بنعومة، وأنا أحتفظ بيدها معي بلطف، تبدأ في الدوران حولي، تمد ذراعها وتضحك وهي تتحرك خلفي وأمامي وتأخذ عيوني معها، تتحرك مثل "البرجل" حول نقطة ارتكاز هي يدها الصغيرة المحضونة بيدي ، تفرح باللعبة ثم تضحك.
تضحك فيمكن لقلبك أن يمتليء بالورود، ليس قلب الخالة أو الأم بل القلب الذي يمر بالصدفة بجوار هذه الضحكة المبهجة الصافية.
في البداية فرحت معها ووصلني إحساس غامر بالرضا لأنها معي تضحك، وأنا أحبُّ أن تضحك، في اللحظة التالية جال بخاطري أن الجيران سيلتقطون صوت ضحكتها وربما يحسدونها.

هنا وجدَتْ أختي المفاتيح، خرجَتْ وأخذت ورد بعد أن أغلقنا الباب، بعد درجتين على السلم وقعت ورد وارتطمت رأسها الصغيرة بحافة السلم، أختي جلست على السلم تحتضنُها ووجها يكاد يخلو من الدم، ثم حاولت أن تتفقد جسدها لتتأكد من سلامتها، ورد تبكي وتصرخ بحرقة ووجع، ثم بدأت تنسى الوجع وتهدأ. أظن أن هناك خيطًا يربط بين وقوعها على السلم وضحكتها الجميلة العالية.


لا أريد أن أصبح امرأة خائفة، لا تتحمل أن ترى الجمال دون أن تربطه بسرعة بالفقد.
سأحرمها من جمالها كي لا يخطفها اللصوص أو تؤذيها عيون الحاسدين. سأنسى يا ضوي، مع الوقت سأنسى أن لورد ضحكة جميلة تُنعش، وكل ما سيتبقى لي هو الإحساس بالخطر. سأتحول إلى نسخة من أمي التي يحول عقلها الجمال إلى وجع محتمل وفقد سيحدث حتمًا.


رسالتك لم تعثر عليَّ، أخطأتني وذهبت إلى امرأة أخرى ليست أنا، المرأة نفسها التي قرأت الرسالة وتنهدت "ياليتني غادة"، راقبي أحلامك يا عزيزتي، غادة مثلك تمامًا تفكر أنها تود لو كانت "غادة الرسالة" أيضًا.
الملاكة التي تجلس وديعة داخل جمالها الخاص لا تشبه ما أعرفه عن نفسي، ولا تتماس مع كل الخيال الذي يحوِّم حول صورتي، ربما وددتُ لو كنت إلاهة لكن مشاعري تكسرت على حافة العجز.
الخيال الأول يرتطم بهالة ما لم أرها ولا لمرة واحدة، والخيال الثاني يلمس الوجع الذي يتخفى في اليأس. لا أصدق الجمال الذي يطفو ولا الوجع الذي يليه في تعاقب سريع، لكنني أريد أن ألتقط صورة حية لما أراه داخل نفسي ولا تلتقطه عيون الآخرين.


1

في أحد الأيام كنت أعرف بحرًا، أحضر لي البحرسمكة خزفية في عيد ميلادي، قام بلفها جيدًا بالجرائد ثم أخفاها داخل كيس أسود طواه بعناية حولها عدة مرات، لم يتحدث معي، لم يقل كل سنةوأنتِ طيبة، فقط أهداني السمكة التي صنعها لأجلي ومضي.
كنت صغيرة جدًا لدرجة أنني لم أتصور أن الحب الذي أبحث عنه يمكنه أن يتنكر في هيئة سمكة خزفية صغيرة لا تنطق.


2

الرجل كان يقف داخل القاعة المزدحمة، الناس يتحدثون عن ضرورة التخلص منه ولم يكتشفوا وجوده بينهم. أعرفه وأراقبه وهو يمسك المقص ويبدأ في قص شعره كي يتخفى. يقترب مني ويقف خلفي تمامًا ويبدأ في قص أطراف شعري، وكل ما أفكربه أنني أحب القصة الأخيرة لشعري ولا أرغب في إفسادها.
الرجل يواجهني بلا مقصات ويبدأ في تقبيل أطراف شعري بعد أن يلمسها في حنان، أذهب معه خارج الغرفة ثم يتوه مني في الطريق، لا أبحث عنه أبدًا، أخبر نفسي أنه سيعرف كيف يعثر عليَّ، ثم أتوقف وأنا أفكر أنه أعمي وربما لا يجدني، أكمل المشى وأنا متأكدة أنه سيجد طريقة ما ليكون معي.


3

أقرأ مذكرات فلليني وأقوم بثني أطراف الأوراق التي أحببتها، أنتقي ما أعرفه جيدًا واختبرته داخل نفسي، أما كل هذه الأوراق الممتلئة بكلمات لا أتعرف عليها فإنها تمر ببساطة، مثلما تمر الأتوبيسات التي لن أركبها.

يقول فيللني متحدثًا عن بطلة فيلم ليالي كابيريا: " كل ما تسعى إليه هو الحب، لكن البحث عن الحب لا يضمن العثور عليه، كما أن منح الحب لا يضمن تلقيه، إن كل شيء في الخارج يخذل هذه المرأة، وفي النهاية يتوجب عليها أن تجد أي خلاص داخلي ممكن".




.......
غادة خليفة
2014

.......
لقراءة الرسالة الأولى إلى ضوي

............


painted by: Afrin sajedi



....

1 التعليقات:

مروة دياب يقول...

لا أريد أن أصبح امرأة خائفة، لا تتحمل أن ترى الجمال دون أن تربطه بسرعة بالفقد.
سأحرمها من جمالها كي لا يخطفها اللصوص أو تؤذيها عيون الحاسدين. سأنسى يا ضوي، مع الوقت سأنسى أن لورد ضحكة جميلة تُنعش، وكل ما سيتبقى لي هو الإحساس بالخطر. سأتحول إلى نسخة من أمي التي يحول عقلها الجمال إلى وجع محتمل وفقد سيحدث حتمًا.


الله يا غادة!!