الخميس، 24 فبراير، 2011

الأربعاء الأسود - أحمد كامل




.

.

ليس وقتاً للكتابة والتوثيق،
فلربما تتغير الكتابات جميعها إذا نجح ما يحدث الأن في فرض نفسه مستقبلاً،
كما أنني كنت قد قطعت وعداً مع روحي -وسأخلفه الأن-
بعدم الكتابة الأن عن أحداث تلك الثورة الشعبية
كي أجنب الحروف الوقوع في منعطف الحماسة
أو الشهوة الحبيسة لعيني التي أدركت مالم تدركه أحلامي،
ولكنني مدفوعاً بدم الشهداء،
وعبارات أهلنا عن الصهاينة والخونة المتواجدين في ميدان التحرير؛
سأصف، فقط سأكون شاهد عيان،
دون أن أحلل أو أحاول الكتابة من جهة إبداعية


في يوم الأربعاء الثاني من فبراير 2011
وفي الساعة الثالثة عصراً
شاهدت -كما غيري- على قناة الجزيرة دخول الخيول المتهجمة على المتظاهرين،
الفكرة التي أحاطت بي حينها هي الشرف،
نعم في تلك اللحظات العصيبة والتي يستعين فيها النظام بالكارت الأقوى
الذي لم يخب أمله فيه قبل ذلك أبدا
(البلطجية) أحباب النظام
وأذرعته الطويلة،
فإن من يتواجدون الأن داخل الميدان هم الأكثر شرفاً فينا،
لم تخذلني روحي وارتديت ملابسي مسرعاً لأنال شيئا من هذا الشرف،

وصلت عند ميدان التحرير من جهة عمر مكرم،
كان الجيش يسد كل المنافذ إلى الميدان،
ويمنع دخول الجميع: متظاهرين وبلطجية.
وقفنا سويا أمام الجيش، في كل لحظة يثير البلطجية القلاقل،
ويحاولون التحرش بنا، فيصيح المتظاهرون (سلمية) ويلجأون للتهدئة.

سيدة في أوائل الأربعينيات قررت أن تحاول أن تشرح لهم حقيقة مانفعله،
حقيقة أننا أخوة، أننا نقف لنا ولهم ولكل غائب،
وفجأة وصلنا صراخ السيدة،
وقد إنهال ضربا عليها نحو عشرون شخصاً،

وصلنا بالكاد إلى السيدة وهي تكاد أن تموت بين أيديهم،
سترنا جسدها ببطانية ووضعناها في عربة إسعاف،

شخص يرتدي جاكت جلد أسود، بملامح حادة بدأ في الصياح في البلطجية مرة أخرى للهجوم علينا،

حاولت أن أتفاهم معه،فسبني وحاول دفعي،
قام المتظاهرون بيننا مرة أخرى،
كان عدد المتظاهرين أكثر من عدد البلطجية
أو المؤيدين الواقفين أمام مدرعة الجيش فلم يتم إشتباك من جانبهم،
صوت المتظاهرين بالداخل يصيح بصوت يشق السماء "يارب"

أوجعني أن لا أكون معهم،
من جديد تسيطر علي رأسي فكرة الشرف،
الأكثر شرفا فينا من بالداخل،
أذهب من جديد للضابط، وأبلغه أني صيدلي وأظهر له البطاقة
وبعض زجاجات البيتادين التي في يدي،
يرد بأنه لن يدعني أمر
وأستطيع أن أجلس بجانبه هنا لأسعف المصابين
من جراء المناوشات القليلة هنا بين المتظاهرين

أجلس وأفرش البيتادين والشاش على مضض
وأقوم بمساعدة طبيب شاب في تضميد الجروح والكسور


تبدأ المناوشات في التزايد
ومن الواضح أن أعداد البلطجية بدأت في التزايد،
صوت طلقات نارية من جهة المتحف المصري،
أحدهم يجري ويخبرنا بحريق يشب في المتحف،

بلطجية يلقون بمولوتوف نحونا،
نركض جميعاً وجيوش البلطجية تركض خلفنا،
أسمع في الخلف صوت طلقات نارية
والضابط يؤكد بأن لديه أمر بإطلاق النار الحي،

تهدأ الأمور بعد ربع ساعة وأحاول العودة إلى موضعي الأصلي،
فيمنعني ضابط الجيش،
أشعر بخدعة ما
(يريدوننا أن نخرج كل مرة عدة أمتار بيد البلطجية
ثم يسدون علينا منافذ العودة بعد ذلك)
تصيبني الفكرة بالفزع
أحاول العودة لإلتقاط بقية زجاجات البيتادين والشاش،
ينصحني بعض المتظاهرين حولي
"لو أنت دكتور ادخل في اي عربية اسعاف معديه"
أشير لأول عربة إسعاف،تلتقطني،

قبل المرور من كمين الجيش الأخير
أرى حصانا يركض وعلى ظهره شخصاً يضرب المتظاهرين بسيف طويل،
بينما يركض خلفه المتظاهرون ويحاولون الإمساك به
أدخل إلى المستشفى الميداني خلف محل هارديز،
أسلم البيتادين والشاش للأطباءهناك،

يسمكون ببلطجي كان يحاول الدخول إليهم
ويكبلونه ويدخلونه إلى دورة مياه المسجد الذي تقع فيه المستشفى الميداني،
أحاول المساعدة في تضميد الجروح البسيطة،
بعد قليل أشاهد جرحى أكثر وجروح وكسور أعنف،
لن أستطيع التعامل بشكل جيد مع تلك الإصابات؛
فالأطباء أكثر قدرة مني على أداء ذلك

تحتلني الفكرة مرة أخرى:
الأكثر شرفاً منا هم المتواجدين في قلب الميدان
وليس المختبئين في المسجد

أخرج ثم أنضم إلى الأعداد القليلة نسبيا
في تلك الليلة بالمقارنة مع الليالي السابقة،
لا أظن أن العدد كان يتجاوز العشرين ألف،

بين كل لحظة وأخرى
يحمل الناس على أكتافهم أحد المصابين
وهم يهرولون من جهة المتحف المصري - الجهة الأكثر دموية طوال الليل-
كما أرى بين كل لحظة وأخرى تجمعاً من المتظاهرين يحيط بشخص
يعلنون أنه بلطجي قد أمسكوا به،
ينهال المتظاهرون عليه ضربا وهم في طريقهم لتسليمه إلى الجيش
يعلن البعض -وأنا منهم- الإستياء من ضربهم
حتى وإن كانوا من البلطجية

تحتلني الفكرة مرة أخرى: الأكثر شرفاً
هم المتواجدين على الخطوط الأولى جهة المتحف المصري،
أذهب إليهم.

في الطريق يصرخ أحدهم بأن البلطجية يلتفون من ميدان عبد المنعم رياض
للدخول إلى الميدان من جهة شارع شامبليون،
نركض باتجاه شامبليون، في الطريق يصرخ ناس،
ألتفت فأجد شخص يركض داخل الميدان وفي يده "سافوريا"
الناس يحاولون الإمساك به،
بينما هو يضرب بسلاحه كل من في وجهه،
ضربه أحدهم على رأسه،فإستدار ليركض،

تفاجأت به في وجهي تماما،
لم أشعر بالقطعة الحديدية في يدي وهي ترتفع لتضرب فكه في عنف،
كل ماسمعته هو صوت طقطقة فكه
والدماء تملأ وجهه وهو يقع أمامي.
قدمي تركله في عنف بعد سقوطه
والناس يحاولون رفعه من أمامي ،
وأخرون ينهالون ضربا عليه وهو بين يدي الناس.

أكمل تجاه شارع شامبليون،
بنات على أول الشارع يكسرن بلاط الأرصفه ويعبانه في أكياس من البلاستيك
يحملنها للصف الأمامي تجاه المتحف المصري،
بنت تدك بقدمها الجدران المعدنية الخاصة بأحد المشاريع لتخلعه مع الرجال،

نخلع الجدران المعدنية ونصنع متاريس جديدة لشارع شامبليون
تطلب مني أحد البنات على ناصية الشارع أن أساعدها في تعبئة الكيس بالطوب،
تنهرني حين تجدني أضع قطعا كبيرة من الأحجار
"احنا مش عاوزينهم يموتوا حرام عليك".
صوت طلقات نارية،
وأبناء عن قتيل برصاص في أول نقطة في شارع شامبليون .

تحتلني الفكرة مرة أخرى: الأكثر شرفا فينا
الواقفون في النقاط الأولى وليس في النقط الخلفية مثلي.

أجلس على طرف الرصيف لألتقاط الأنفس وشرب سيجارة،
يجلس بجانبي مسن يقرأ القرآن، يطلب بعد قليل سيجارة مني،
يسألني "تفتكر ايه هيحصل لحد الصبح"
أحاول أن أبدو مرتفع المعنويات "نصمد بس لحد طلوع النهار وأخواتنا هيجولنا
وعددنا هيكون كبير والعيال دي هتجري


خلاص فاضل 8 ساعات ع الصبح".
تنتقل له عدوى الصمود
"بص العيال دي بتضربنا عشان ميه جنيه
يعني من غير مبدأ
لكن احنا عندنا مبدأ
فأكيد هيزهقوا ويمشوا قبل الصبح كمان"
أؤكد كلامه .

أعداد المصابين في تزايد،
منهم من ضمد جرحه وعاد إلى ميدان عبد المنعم رياض،
أتوجه إلى هناك،
ينصحني البعض بوضع شيئ ما على رأسي قبل الذهاب لحمايتها،
أصعد فوق إحدى عربات الجيش المحترقة،
نقذفهم بالطوب،
البعض جهز بعض قنابل المولوتوف وبدأ في رد الهجمات بشراسة،

كلما تراجعوا مترا إلى الخلف،
هبطنا من فوق سيارات الجيش ودفعناها بأيدينا لنحتل هذا المتر، متراً ... متراً
ندفع سيارات الجيش الثقيلة،
أعداد المصابين تزداد حولي،

تحتلني الفكرة من جديد:
الأكثر شرفا بيننا هم المصابون.
نحتل أخر الميدان تدريجيا،
معدتي تصرخ من الجوع،
زوجتي أبلغتني أن أحد أصدقائنا قادم إلى الميدان
وأنه سيحمل لي طعاما،
أتراجع للخلف لالتقاط الأنفاس،

يحضر مصطفى رزق ومعه كيس أسمر مليء بساندوتشات الحلاوة،
أتناول أحدهم ويوزع مصطفى البقية،
أشرب سيجارة ونتجه مرة اخرى إلى المتحف،
زجاجات مليئة بالبنزين يرفض المتظاهرون إلقائها الأن
بعدما أبلغهم البعض في الجوال ونقلا عن قناة الجزيرة
أن البلطجية يعدون لهجمة شرسة قرب الفجر،
يثبت الجار جاره ويشجع الأخ أخيه، صرخات "يارب" من هنا وهناك،
وهتافات الصمود بقرب طلوع الصبح.،

قرب كوبري 6 أكتوبر تصيبني طوبه في ساقي،
لكن أحدهم يخرج من جواري مرة اخرى محمولاً على الأكتاف،
صوت طلقات نارية، وصراخ "حرام يا كفرة"
أنباء عن مقتل متظاهر،

تحتلني الفكرة من جديد وبعنف:
الأكثر شرفا منا دوما.. هم الشهداء




....

بقلم : أحمد كامل
عن الأربعاء فبراير २०११


....

4 التعليقات:

VÖltaa يقول...

جسمى كان بيقشعر

و زى مابقول للناس كلها

انا بتف كل يوم على نفسى انى مضربتش ولا اصيبت فى المظاهرات
انا نزلت تمن مظاهرات وبيت ونمت فى التحرير وبردو حاسس انى عيل سيس

يابخت كل من اصيب او جرح وطبعا يابخت اللى ماتو


كلام قشعرلى جسمى فعلا

nudy يقول...

كنت موجوده في هذا اليوم ولكنني عادرت الميدان قبل ان تشتد الاحداث هكذا واعترف انني خفت كما لم اخف في حياتي فقد رايت البلطجية في يطريقي الي المنزل وكانوا يحاولون الاشتباك بنا ولكننا لم نسمح لهم ومشينا في طريقناولكنني اقول لك الان اننا كلنا شرفاء فقد حاول كل منا ان يقدم ما استطاع ولا يكلف الله نفسنا الا وسعها
انا فخورة بانني كنت موجوده في الميدان برغم انني لم اقدم الا خدمات اعتبرها بسيطة جدا مقارنة بما قدمتوه لنا فشكرا لكم والشعب كله فخور بما صنعتوه

احلام جوليا يقول...

بجد شجاعة متناهية لم نحصل على الحرية الا بعرق ودم هؤلاء كم اتمنى ان اشكركم واطلب منكم ان تسامحونا لاننا لم نكن معكم نشكركم لانكم دفعتم ثمن حريتنا جميعا اعانكم الله على الظالمين

ست الحسن يقول...

فولتا

متقولش كلمة عيل سيس دي تاني
إحنا عندنا أجدع رجالة في الدنيا
وانت واحد منهم

الناس اللي ماتوا في الجنة ان شاء الله
بس هما ماتوا علشان احنا نعيش أحسن
الطريق لسة طويل

ربنا معانا
نقدر نخلي بلدنا أحسن وأجمل
يارب


.............

هند

كل واحد بيعمل اللي بيعرف يعمله
وعمر المسألة ما بتتقاس انت رحت كام مرة
الحكاية كلها مسألة إخلاص

وكل ما كان فيه ناس مخلصة أكتر وبتحب البلد دي أكتر
الحياة هتبقى أحسن ميت مرة

وأشاركك الفخر بكل المصريين

............

جوليا

كلنا بنتشارك في دفع تمن الحرية بتاعتنا
كل واحد بطريقته وفي مكانه

تسلمي
ويارب يسلم مصر كلها ويحفظها
آمين

...