الأحد، 7 يوليو 2013

رغبة في تجريب حيواتٍ أخرى - مشمش وغادة خليفة








عزيزتي غادة، 


تعلمين، هناك مسائل في الحياة ستبقى معلقة للنهاية، حتى أني أؤمن، أننا في النهاية – بعد نهاية الأمر كله – سنكتشف أنها – المسائل – ستبقى كما هي، غير منطقية، غير مبررة، غير مفهومة إطلاقاً، لا نحن نفهمها، ولا الأشخاص الذين سنقابلهم هناك.. في النهاية.


مثلاً (لتقريب الأمر وتبسيطه)، أرسلت لكِ قبل سنوات رسالة بريدية أقول فيها أنني معجب بما تكتبينه هنا، ولم أتلق رداً على الإطلاق، هذه واحدة من المسائل.. صدقيني (لو تصدقين) أنه حتى مبررات انشغالك لن تكون كافية لإضافة منطق ما على المسألة.. ستبقى هي، كما هي، غير منطقية، غير مبررة، غير مفهومة. ستبقى كذلك، لأنها أرادت أن تبقى كذلك.


لا أريد أن يأخذ الأمر طابعاً شخصياً ثنائياً، فالمسألة أكبر، أو أعقد، أو دعينا نبحث لها عن صفة في النهاية.
ولأنها مسألة، يمكن البدء بسؤال ما، سؤال واسع جداً، سؤال بديهي، على أنه مهجور ومتروك حيث هو دون استخدام..


غادة، من أين تأتي الأشياء؟.. بعض الأشياء لدينا قدر من المعرفة (ضئيل) حول مصدرها، والبعض الآخر نعاني للحصول على إجابة له.. رسالتي هذه متعلقة بالبعض الآخر..
و"بعض"، التي تستخدم عادة للإشارة إلى ما بين الثلاثة والتسعة (هكذا قال الأستاذ في الدرس)، تخص في نظري ثلاثة أشياء محددة، الحب، الكتابة، الأحلام.

لنضع كل منها في سؤال منفصل..
من أين يأتي الحب؟
من أين تأتي الكتابة؟
من أين تأتي الأحلام؟


وسأحكي قصة قصيرة، تلخص حاجتي الشخصية، لإجابة واحدة، عن الأسئلة الثلاثة..
فأنا، شخص لا يخلص للحب (هذا ان افترضنا جدلاً ايماني بوجوده في الأساس)، لا يخلص للكتابة (لا أعتقد في قرارة نفسي أني أجيدها)، لا يخلص للأحلام (فهي مجرد صور ملونة نراها خلال النوم لقتل الملل).

ستة أشهر مضت، وثلاثية الغموض تلاحقني، بدأت من النهاية، الأحلام.. وهناك، ألقاها.
هي، وربما قبل الحلم الأول كنت سأتردد قليلاً في وصفها بـ"هي"، المسافة الفاصلة بيننا تمنعني من التأكد إن كانت ذكر أو انثى. تصدقين؟، لهذه الدرجة..
زميلة، بعيدة، خارج إطار التفكير العاطفي، أو حتى العقلاني، تأتي، تذهب، ترحل، تعمل، تتكلم، تسمع، تبتسم، وتلقى التحية كل صباح، روتين يومي يمنعني من تخيل العلاقة أكثر قرباً بأي حال.
ثم أنها لا تروقني، فعلاً، حقاً وصدقاً، لا أفضل هذا النوع، لا أفكر فيه، لا يشغل بالي، ولا يخطر على عقلي.

ثم، رحلت بعيداً، سافرت، وحين غادرت مكتبنا (بسبب مشكلة تخص العمل) كنت أعتقد أنني حصلت على جرعة من الراحة، راحة من الراحة، دعيني أقول أنني بالأساس لم أشعر برحيلها، فأنا من الأصل لم أشعر بوجودها.
رحلت، ونسيت القصة،
أوف، لم تكن هناك قصة من الأساس، القصة تبدأ الآن..



الحلم الأول : هي، وراء سور حديقة، وأنا في شرفة عالية مطلة.. تقترب من السور فلا أراها.. تبتعد للخلف، ترفع رأسها، فأرى أجمل وجوه البشر.

الحلم الثاني : هي، تحدثني في الهاتف، تقول : مالك؟.. أبكي، وأقول : مشتاق.

الحلم الثالث : هي، تجلس أمامي على الأرض، وأنا بجوارها، أسألها "زعلانة؟"، تقول "بل مقهورة"، والسبب دون أن أسأل هو أنا، ثم تنظر عالياً، وتظل تتلو ما تيسر من كلماتي التي أكتبها يومياً على صفحتي الإليكترونية، تتلوها بتأني وحب، أبكي، ألاحظ أن بعض ما تقوله ليس من كلماتي، لم أكتب هذا أساساً، لكنه يشبهني جداً، كأنها كتابة أتمنى لو أكتبها يوماً.. أراقب الكلمات تخرج من شفتيها، أذوب، سعادة لا نهائية، كأني أعرف الحب نائماً، للمرة الأولى والأخيرة.. أبكي، تبتسم، تقول : صالحني.

الحلم الرابع : هي، تجلس أعلى مكتبي، تحرك قدميها، تشبه الأطفال، أنظر إلى الكتب الكثيرة المرصوصة بنظام على المكتب، تلمح عيني عنوان"كائن لا تحتمل خفته – ميلان كونديرا"، أعود وأنظر لها، تبتسم في شقاوة بريئة، لن تكتب مجدداً، إلا عني، ابدأ بالكتابة عني، وإلا، لن تعود الكتابة أبداً.. أشعر بالغضب، لكني أدرك أنني قد غرقت.

...............

هذا هناك، في الحلم، إيقاع هادئ وصور ملونة تقضي على الملل بينما ننام. ما الذي يجعلني أفكر في الأمر وأنا هنا، في الواقع، إيقاع صاخب، وصور رمادية، حيث العمل، الشوارع، الزوجة والأطفال، والزحام والضوضاء. لماذا تطاردني بهذا الشكل؟.
كيف أتذكر الأمر أصلاً؟، وكيف أسمح له بالتأثير في قلبي، (لاحظي أننا هنا نتحدث للمرة الأولى عن القلب). ما أهمية الأمر أساساً؟. وما قيمته؟.
كنوع من أنواع العبث، فتحت صفحة بيضاء وبدأت الكتابة، كل الأفكار تطير، إلا هي.


وكنوع من أنواع الجنون، دخلت على صفحتها الإليكترونية، أتامل الصور، كيف أصبحت جميلة بهذا القدر، كيف أصبحت أحبها لهذا الحد؟.
هو، حب كامل، لأنني، مع عدم إخلاصي الكامل للحب، أدرك عنه أمرين، الأول، أنه وجع، والثاني، أنني لم أشعر به من قبل. وها أنا أشعر.
في قلبي وعقلي يقين كامل، أنها على علم بالمسألة كلها. هي تدبر الأمر، هي تصنع سحراً ما لتطاردني في الأحلام (أصبحت تأتي يومياً)..

أصبحت أعرف، أنني لو سألتها بشكل مباشر عما يحدث، سترد بما فيه الكفاية، هي تعرف ما يحدث.. هي تدبره.. هي تقف وراءه، هي تريدني هنا.. في هذه الحالة.. كما أنا.. ودون إنقاذ.

أنا موجوع، أسير، غاضب، عاجز، مقيد، أنا هنا.. وهي هناك. ومجرد تفكيري في تواصل مباشر معها هو التعريف العلمي للعبث، (لأمور تخص العمل وطبيعة العلاقة المهنية غير الطيبة بيننا)..

دعينا من كل هذا، وفكري معي..


ماذا يحدث؟
لماذا يحدث؟
كيف يحدث؟

فسري – إن استطعتِ – الأمر.. لعلنا نعرف سوياً أجوبة الأسئلة الثلاثة الأولى، عن الحب، الكتابة، الأحلام.. فننشرها، لتعم الفائدة، ويستفيد البشر.

مشمش
( لم يتم كتابة اسمه بناءً على طلبه)
........................................... 



إلى مشمش


لماذا قبلتَ الاشتراك في لعبة الرسائل دون أن تقرأ ما يكتبه الآخرون، 
دون أن تسألني عن شروط اللعبة؟
كأنني ألقيتُ أليكَ حبلًا كنت تنتظره
كأنك سمكةً تراقب هذه المركب العابرة وتبتسم للطعم

لماذا تكتب إليَّ رسالةً تشبه الرسائل التي يتبادلها المقربون
تخبرني عن أحلامك بامرأةٍ لا أعرفها وتطلب مني ان أخبز سحرًا يشفيك من الحنين
لا أعرفك ولا أعرف امرأتك
لكنَّك تبتعدُ عن كل ما تحبه أو هكذا تخبرك نداهة أحلامك

ماهي السعادة يا غريب؟
من أخبرك أنني أخبزها للعالم؟
هل تشبه نفسك حقًا؟
هل تنطبق صورتك في المرآه عليك؟

حينما تلعب مع ابنتك هل تتبادل الأماكن معها أحيانًا
الشغف الذي يأخذ الحواس والقلب معًا هل يتمشى داخل أيامك
أم أنك نسيته

في الحلم القادم ستخبرك عروسة البحر أن حياتك ستتعطل قريبًا
ستطلب منك أن تضغط على الرقم صفر كي تكرر المحاولة من جديد
لا تنسَ أن تخبر الطفل الذي نسيته داخلك أنك تحاول الاتصال به دون جدوى
لماذا تركتَ الحبيبة تمرُّ بكَ دون أن تخبرها
على الأقل كانت ستذهب إلى عالمها الجديد بابتسامة


أقابل الوحوش واحدًا بعد الآخر ومثل ماريو أضطر لإعادة كل شيء مرة اخرى
لكنني حينما وصلت
وجدت نفسي أقف أمام الأمير ولا أملك الكلام
بعد أن أنفقت عمري في اكتساب صوتي
فقدت الكلام على أعتاب جنتي

لا أعرف من أين يأتي الحب
لكنني أعرف كيف يموت، 
وكيف يذوب مع الوقت، 
وكيف يذوي داخل الكراسات دون أن يراه أحد.

لماذا تسألني عن أحلامك ؟
امرأة الأحلام لا تكف عن مطاردتك أيها الفارغ من هواء الاهتمام
أيها الخفيف الذي يملأ أيامها بالأسئلة
هل ترغب في خوض مغامرات صغيرة زهيدة التكاليف
يطاردك طائر الحب بعد أن امتلكت بيتًا وامرأة
يطاردك كي تهيم قليلًا في الخيال وتكسِّرُ قلب امرأة أو اثنتين في الطريق


كنتُ أتلصص على مدونتك كل يوم
أنتظر أن تضع نصًا جديدًا يبهجني
كنت أتابع كل ما تكتب منذ ثلاث سنوات تقريبًا
ثم ارسلت إليَّ رسالة دافئة تخبرني أنك تحب ما اكتب
ماذا كنت تريد مني يا غريب
أن أذهب لمقابلتك وأنا نصف أحبك تقريبًا
ثم أغادرك وأنا ممتلئة بالشغف والحزن معًا
ثم نخترع مجموعة مصادفات كي نلتقي مرة أخرى
ثم يصير الشوق جارحًا والألم حادًا
أمحو رقم موبايلك وأبكي كل يوم حتى يسيل الوجع خارج روحي
أشعر أنني ملعونة لأن كل من أحبهم ليس بإمكانهم إكمال الطريق معي
ثم
بعد وقتٍ طويل سيمرُّ
أُشفى من كل هذا

.
اخترتُ عدم الرد على رسالتك
كي أقمع كل هذا الخيال الذي تمشى داخل حياتي من قبل


كيف تختار أن تذهب خارج الحب دون مشقة؟
تبدأ مغامرة جديدة داخل رأسك المسكونة بالعمل
أحلامك لا علاقة لها بالحب الذي تتصور أنك تتعرف عليه الآن
أنت تتكسر من جفاف أرضك
تحتاج إلى أمطار المشاعر الصاخبة كي تهتز روحك من البهجة
لا يمكن ان أرسم لك خريطة للخلاص
لكنك بدأت فعلًا في الكتابة

الكتابة تبدأ من الرغبة في تجريب حيواتٍ أخرى

يمكن للفرح أن يدخل من شقوق الجدران
فقط لا تغلق عينيك باتجاهه


  ....
غادة خليفة

يونيو 2013



.....


painted by: CHARLES WILKIN




....

الأحد، 16 يونيو 2013

تحتاجين إلى رؤية جمالك وهو يلمع







إلى شيماء


لقد جاءت رسالتك إليَّ في ميعادها تمامًا؛
لأنني الآن تحديدًا سيكون بإمكاني أن أكتب لكِ


لا أملك سوى ما أعرفه عن الحياة كما أعيشها،
يمكن أن أضع لكِ مقتطفات مبهرة من كتبٍ تتحدث عن الأمل،
أو أدعوكِ لمشاهدة فيلم خاص.
لكنني سأكتفي بحكي ما مرَّ بي فقط.

أنا وأنتِ وآخرين خرجوا من طفولتهم بأحلام كثيرة،
من أهمها "الحب الحقيقي / الكبير / الوحيد / غير القابل للتكرار"
الحب الذي ما أن يحدث حتى نستعيد التوازن،
وتبدأ الحياة في التفتح وتبدو المصاعب محتملة ومقبولة؛
لأننا آمنين داخل حبنا الخاص.

أنا مثلك تمامًا أدخل في علاقات منهكة وممتلئة بالألم،
لكنني اكتشفت منذ عشر سنوات تقريبًا أنني طرف في علاقة الحب،
وأنني أحتاج إلى معرفة ذاتي؛ كي أتعرف على حبيبي،
وفي كل المرات التي اجتزت فيها اختبار المعرفة يظهر حبيب جديد
ونهاية جديدة.

أنتِ أيضًا تواصلين حياتك بعد انتهاء التجارب المؤلمة،
لكنكِ لا تتقبلين ما يحدث.





كنتُ أذهب إلي بيت أختي، ببكاء شديد ووجع خاص، وأشكو من قسوة رجل لا يحبني، فتخبرني ببساطة أنَّ علي ان أكتشف أخطائي معه.
كنت أحتاج أن تحضنني فقط، أو ان تخبرني أنه شخص سيء، وأنني استحق ما هو أفضل.
لكنها كانت تصرُّ على أن اكتشف اخطائي معه
وكانت هذه القصة تتكرر كثيرًا؛ لأنني أقع في حب لا يناسبني كل مرة.

في أحد المرات قلتُ لها: أنا لا أحتمل قسوتك،
لماذا ينبغي على الخطأ أن يكون من جانبي؟
انظري إليهم جميعًا هل يمكن ان يكونوا أبرياء؟
قالت: أعرف أنهم ممتلئين بالأخطاء
يمكن أن أقول لك أنكِ جميلة وطيبة وأنهم أغبياء -وربما تكون هذه هي الحقيقة- لكنَّ هذا غير مفيد على الإطلاق ولن يذهب بنا إلى أي مكان
أريدكِ أن تبرأي من كل هذا الألم والسبيل الوحيد أن تدركي من أنتِ فقط.

تختارين حبيبك بعينيك وأفكارك ومشاعرك،
تعرفي عليهم جيدًا إذن،
حينها سيذهبون بكِ إلى رجل أحلامك.
مثل حضن دافيء تبدت لي هذه القسوة التي تخبرني أن أكتشف مسئوليتي عن الوجع.




لفترة طويلة جدًا لم يتمشَ بساحتي أي حبيب، 
ولم يملأ عيني أي رجل، لكنَّ حياتي كانت ممتئلة بالدفء.
لم أسجن نفسي داخل الخوف برغم أنه يعيش داخل عظامي،
لكنني أختار ألا أتبعه.

كيف تثقين بالناس؟
ثقي أن بإمكانك تجاوز الألم مهما كان قدره
وافرحي فقط
ماذا لو أن الرجل الذي يبتسم لكِ الآن سيطعنك غدًا؟
عندما تأتِ طعنته ستتمكنين من شفائها.

قلتُ لكِ أن الألم الأكبر يحدث لمرة واحدة فقط،
هذا لأننا حينما نشفى منه سيكون خيالنا معلق بالشفاء داخل كل الآلام الأخرى.

تحتاجين إلى الاقتراب من الحب أكثر من كل المرات السابقة،
البقاء معه وداخله كل الوقت.
هذا الحي الممتليء بالابتسامات الحية والوجع الحي.
وليس ذلك الذي يتسرب عبر التليفونات، والرسائل الطويلة.
تحتاجين إلى رؤية جمالك وهو يلمع داخل عيون الآخرين.




ما هي درجة الحماية التي يوفرها لكِ الخوف من الألم؟
ماهو مقدار البهجة التي تحصلين عليها وأنتِ على مسافة ما من كل شيء؟
ماهي نسبة حدوث المفاجآت المبهجة لأمرأة ترتجف داخل سجنها الخاص؟


رأيتك وأعرف كيف تحول ابتسامتك العالم
رأيتك وتسلل إليَّ الفرح ونحن نأكل شرائح الأناناس المبهجة
أعرف جيدًا كل هذا الحب الذي بإمكانه أن يخرج منكِ / إليكِ



لا أملك ترياقًا للخوف
لكنني أثق بالمستقبل
أؤمن يأشياءٍ لا أراها
منها أننا نجد ما نبحث عنه دائمًا
وأن بإمكاننا التعامل مع الكسور الجديدة


لا أعرف كيف أصدق ما أصدقه يا شيماء
أدخل بقلبي المكسور إلى عوالم جديدة ولا أضمن النتائج
لكنني أطمئن إليها دائمًا
إذا تكسر قلبي مرة أخري 
فهذا سيعني أن قطعة متبقية من صدفة اللؤلؤة كانت تحتاج للكسر
أتكسر لألمع
أتألم كي أمتلك بصيرة تنير الطريق
هذا ما يحدث بإخلاص كل مرة




تستحقين الفرح
لن يمكنكِ مجادلتي في ذلك على الأقل

...
غادة خليفة
يونيو 2013







من شيماء

.....

painted by: Berthe Morisot

الخميس، 23 مايو 2013

كنسُ العتمة - إبراهيم المصري وغادة خليفة




بيتُ النَّصّ
إلى: غادة خليفة




كنَّا سنرصف هذا الممشى الطويل إلى الصحراء، وثمة نخلةٌ في النهايةِ لا يراها أحد، لكن الجميع يحجُ إليها، ويعود بسعفةٍ أو سعفتين في جيبه.
ولا بأس إن لم ندخل الجنةَ بالسعف، فسوف نقضيها أمام شاشةِ بلازما، نرى عليها كيف نصطاد العصافيرَ بأنفاسنا، وهذا قد يعني أحياناً.. أنَّ النَّصَّ.. طحينُ أنفاسٍ تذروه الرياح، فنراه على الشاشةِ سربَ عصافير على شكل قصيدة، أو على شكل أن ندرِّبَ الأعناقَ على الغضب بنفخ أوداجها .

وإن أهملنا الفؤادَ لمشيئةِ عقاربِ الساعة، فلابد أن يكون ثلاثي الأجنحة، وهذا ممَّا تأباه الطبيعةُ، لكن يقبله النَّصّ، فما مِنْ خيالٍ إلا ويجلس بنهمٍ على المائدة، مُلتهماً كلَّ ما نحشو به فمه، حتى ولو حشوناه ببارجةٍ لها ذيلُ سنجابٍ، لن يتأفف، فالنَّصُّ مروقٌ بكلِّ ما يكسر أبوابَ الواقع، مُنفلتاً من هنا، وخارجاً من هناك،

ومَنْ يملكُ خيالاً كافياً، يمكن أن يلاحقه في تعدد الوجوه التي منها وجه الشاعر، وجه الرسام، وجه الفلاح، وجه المغني، وجه العازف، وجه العامل، وإن كان ما يعنيني هنا.. وجه الخبَّاز.. الذي:
إنْ أنسَ لا أنسى خبَّازاً مررتُ به
يدحو الرقاقةَ مثلَ اللمح بالبصرِ
ما بين رؤيتها في كفِّه كرةً
وبين رؤيتها قوراءَ كالقمرِ.

ونمجدُّ المهارةَ في رؤيةِ النَّصِّ.. قوراءَ كالقمرِ.. إن اعتبرناه كلَّ ما يأتي به الإنسانُ، وليس فقط أن ينكفئ على ورقةٍ ويكتب، وهي الحيلةُ الأقل دهشةً، إن وضعت الطبيعةُ يديها على خصرها كامرأةٍ فاتنة، وغمزت بحاجبها، لتجلبَ بالغمزةِ أعجوبةً، أو.. نصَّاً.. لانهمار المطر على شجرةِ تفاح،
تبدو الشمسُ خلفها غارقةً وفوقها مظلةٌ من غمام.


ولا بأس بالطبع أن نكتب، ونأتي بالنَّصِّ مفهوماً، لكلِّ سطرين نأمل منهما الرحمةَ، أو لكلِّ ملحمةٍ تخبرنا أنَّ الكونَ كان ماءً ترفرفُ عليه العتمة، وأنَّ واجبنا كنسُ العتمةِ بكلِّ نصٍّ ممكن، من كلمةٍ طيبة، إلى قطعةِ جاتوه طازجة، إلى فيلمٍ سينمائي، إلى لوحةٍ تشكيلية، إلى ابتسامة، إلى كوبِ شايٍ ساخن، إلى غرس وردة، إلى مقطوعةٍ موسيقية، إلى إزاحةِ العتمةِ عن الماء،
حتى نطلق مراكبنا الورقيةَ الملونةَ في جريانه إلى أرواحنا.


على أنَّ.. النَّصَّ.. ليس فقط، موجزاً للسعادة، بل هو الألمُ مرئياً بكل حاناته على الممشى الطويل إلى الصحراء، وإن قطعت شظيةُ زجاجٍ يخبئها الرملُ قدمَ عابرٍ إلى قدره، فلا نصَّ إلا الدم، مُتدفقاً من الشرايين إلى إرواء شجرةٍ، نندهش حينما نراها مورقةً على الرمل هكذا، وإن كانت أرواقها حمراء، فثمة أشجارٌ أوراقها حمراء.. سلعُ الطبيعةِ فاخرة، ولا أقل من أن تعبئها في أكياس النور، وتروج لها بتعدد الألوان، مثل أن يكون البحرُ يقطينةَ حلمٍ ممددةٍ بطول الشاطئ، أو نحن في قبضة شوكٍ يُدمي مرامينا، فلا ندرك من النِّصِّ سوى أنه.. قصدُ الحياة.. جاء لنا بالنوم، أو بسفينةِ نوح، تصعد إليها الأقوامُ الحيَّةُ والجامدة، وتحتنا.. الطوفان.

.......
إبراهيم المصري


____________________________


إلى إبراهيم



في حياتي السابقة كنت أنمو داخل صُندوقٍ مغلق،
يمتليءُ بالماء حتَّى حافته، ثمَّ يتناقصُ الماءُ ببطءٍ وبسرعة،
وكان عليَّ أن أواجِه موتي، ما بين زوال الماء ومجيئه مرةً أخرى،
لكنَّني تحرَّرتُ من مراقبة الماء، حينما بدأتُ كتابة أحلامي.


لم أعرف ماهو شكل العالم خارجَ البيت،
إلى أن اكتشفتُ الكتبَ،
الكتبُ مثل بنورةٍ سحريةٍ تعكسُ لي المستقبلَ الذي أطاردُه،
كنتُ سأغرقُ داخل ظلامي الخاص،
لولا كلَّ هذه الأوراق التي صنعَتْ خيالي.

رائحةُ حبر الطباعة تسكنُ ذاكرتي، مصحوبةً ببهجةٍ بريئةٍ وبدائية،
أتذكرُ مكتبات الفجالة وغنيمتُنا من الكتب التي نعودُ بها فرحين،
كلُّ هذه الكلمات المرسومة تغني، بصوتٍ أعلى من صُراخ أمي، ومن عصا المدرس
الكتب سَرَقت أعيننا، وذهبت بها إلى عوالم تشبهُنا وتقبلُنا دونَ شكوى
أين كنتُ سأذهب،
إذا لم تمسك الكتب كفي الصغيرة، وتأخذُني إلى المجهول.


كان الخجلُ يطاردُني، ويسلبُ منِّي الكلامَ بالكامل،
فكنتُ أكتبُ؛ كي أنتصرَعلى أعدائي في كل الأماكن،
ولأنَّ هزائمي تتكرر وتكبر؛ صارت كلماتي تنمو،
أكتبُ ما أعرفه عن العالم وما أحاولُ معرفتَه أيضًا.

خيالي الذي وَرثتُه عن أمي يتوحشُ، دونَ أن ينقذَني أحدٌ من سطوتِه عليَّ،
خيالي يشبه زوجة أبي الشريرة، التي تخبرُني أنَّ العالمَ لا يحبُّني
فقط كي أملأ الكراسات بالجمال الذي أملكه، ولا أصدق وجوده.

آلةُ العمل تنتقمُ من خيالي، وتعصرُ مشاعري،
والجميع يدفعونني باتجاه أي رجلٍ؛
كي أُعيدَ تعذيبِ طفلةٍ أخرى داخل بيتٍ مظلم،
أشاهدُ حياتي تتحركُ، وأنا أتجمَّدُ باتجاه كلِّ شيءٍ،
أحوِّلُ قسوتي إلى لوحة موزاييك عملاقة،
تسقطُ فوق رؤسهم جميعًا.

لم أتعلم كيف أصنع من حياتي فستانًا يلائمُني، ويشبهُ ألواني المتبدلة،
لكنَّني أحوِّلُ الطريقَ إلى كلماتٍ،                                                              
وأطبخُ كلَّ ما يحدثُ لي،
فيصيرُالألم إبرة حادة،
يمكنُها أن تُخيط تفاصيلي معًا.

....

غادة خليفة
مايو2013



















painted by: Joy Hester


.....

السبت، 18 مايو 2013

لا تشبه سعادتي ابتسامة مارلين مونرو





إلى آية





لا أعرف ما الذي أتي إلىَّ برسالتك
وسط لعبة أصبحت تعريني أمام ذاتي
أقرأ رسالتك مرة أخرى وأندهش
لماذا ترددين اسمي طوال رسالتك؟
كيف عرفتِ أنني أحب تكرار اسمي في الكلام

الكلام بيننا لم يطل أبدًا
لم أتعرف عليك كما ينبغي
لكنني أملك سيناريوهات وهمية تخصك
تأتي من المرة التي اتفقنا فيها سويًا أننا نجد رجلًا ما جميلًا
أنتِ أيضًا تذهبين إلى الحنان أينما وجد

لا أتذكر المرة الأخيرة التي كنت فيها أضحك لأني سعيدة يا آية
لا أتذكر كتالوج السعادة
سعادتي القديمة لا تشبه سعادتي الآن
لم أعد أطارد البهجة أو أذهب باتجاهها
أنا أمشي باتجاه نفسي وأنسى



لا تشبه سعادتي ابتسامة مارلين مونرو
لكنها تأتي إليَّ أحيانًا متنكرة في ابتسامة "ورد"
.
.
لا أعرف شكل سعادتي يا آية

أضحك بشراسة أحيانا
أو بقوة ممتلئة بالجاذبية مثل انفجار مفاجيء لأنوثة زائدة
في أحد الأفلام يخبر البطل حبيبته أن لها خمس ابتسامات مختلفة
وأنا أصدق أن لي ابتسامة تشبه السماء
يمكنها أن تصعد بي إلى الله

أريد أن أكتب رسالة أرقُّ من هذه
رسالة مطرزة بالأمل وبالثقة في البدايات الجديدة
لكنني لا أملك هذا البراح

تزعجني فكرة شفاء الآخرين يا آية
وأتصور أنّ لي طُرقًا في مداوة الألم
لكنني في كل مرة أندهش من النتائج
أغضب
لأنني لا أملك قوة إله
ولا أشفي الأسى بمجرد أن أراه


ماهي الكلمات التي تحتاجين إليها الآن
أحتاج إليكِ كي أكتب الكلمات المناسبة
هل توجد كلمات مناسبة أصلًا
هل يمكن للكلمات التي أكتبها هنا أن تتحول إلى حضن مثلًا
أو إلى شمس تلتهم البرودة والعزلة وتدفيء الوقت
يقولون أننا نكتب بدلًا من أن نعيش

مارأيك....
هل أكف عن كتابة الرسائل إلى الناس وأحضنهم فقط؟


.......





....