الاثنين، 22 ديسمبر 2014

إلى صديقتي







أحدهم أخبرني أنني أبالغ في تقدير الصداقة، وأنه لم يصادف امرأةً تصرخ من أجل صديقتها.
ربما أقوم باستبدال علاقتي الخافتة مع الآخر بعلاقات وارفة مع صديقاتي.
لا أرغب في تعرية أفكاري
المُعَذِبة ، ولا أعرف ما الذي أريدهُ من خطاب كهذا.

كنتُ أجلس أمام محل الخزف في آسفي، الشمس تلون الطريق الملون بالفخار، وأنا لا أتحمل وحدتي مع ه
ذه الجرعة الفياضة من الجمال. كنتُ أحاول الاتصال بكِ كي أشاركك البهجة؛ لكنك لا تجيبين على الهاتف أبدًا، لستِ موجودة لأسباب تتغير وتتكرر.
ستكونين معي إ
ذا بدأ صوتي بالخفوت وانسابت الدموع داخل سماعة التليفون، تأتين لمقابلتي كي تسمعي اعترافات كابوسية ومتشابكة، تقولين كلمات طيبة، وتربتين عليّ بحب ثم تذهبين.هكذا أصبحت الصداقة حديقة مزروعة بالشفقة.


يخبرني الكثيرون أنني مبهجة، وكل ما أشعر به هو الوجع، لم يكشفوا رداءة قناع البهجة الذي يتقطع بمجرد الدخول إلى البيت، ولا يعرفون شكل المسدسات النائمة برأسي.
لماذا صرنا صديقتين؟ كنتِ صامتة كعادتك، وأنا أراقب الألم المكتوم وهو يتمشى داخلك، أحببتِ ذكائي مثلهم جميعًا ولم تحبينني.
صديقتي ليس بإمكانها أن تصبح أختي، لأنها في وقت سيأتي ستتجاهل مكالماتي مثلما تتجاهل المعاكسات اليومية.



لا أمتلك حكايات مثيرة عن عشاق يتبدلون، حكايتي واحدة وتتكرر فقط، فخ رثاء الذات يكاد يبتلعني، وأنا أحاول كتابة الأسباب التي من أجلها لا يحبني أحد، في الوقت الذي يكتب إليّ أحدهم قصيدة تبدأ بـ (أريد أن أكون محبوبًا مثل غادة خليفة).
ما أهمية الطريق إذا كنت لا أتجاوز عددًا معينًا من السلالم، كل ما عليّ هو أن أقبل اللعب في الساحات، لأن بيوت المحبة تحرق أقدامي وبيوت الصداقة تطردني بعد استراحة مناسبة.

أفتقد الشمس،
أفتقد الضحك تحت الشمس معك، وأفتقد ثقتي في الحياة.
أفقد صديقتي ولا أفقد ذاكرتي ... للأسف.


........




اللوحة المرفقة من رسوماتي



...





الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

مقطع جديد من رسالة لم تكتب بعد




.










اذهب إلى العمل فقط يا نور.
اذهب إلى العمل ثم غادره مبكرًا كي تلحق وظيفتك الثانية، حينما نشتري الميكروويف سيغمر الدفء قلوبنا، وأغنيات أم كلثوم تتدفق داخل السماعات فائقة الجودة.
الأمان يسكن الحجرات المكيفة، والحب سيجري خلفنا داخل فندق مزين بخمس نجمات.

ا
ذهب إلى العمل يا حبيبي، وبدلًا من أن تحضر لي السماء والقمر، دلني على مكان يحتاج إلى مصممة أغلفة. سأعمل حتى تحترق ماكينة أفكاري، ويتضخم رصيدي في البنك.
السعادة ورق ملون ومكتوب بلغة أخري.

سأشتري حقيبة حمراء تلمع، سأشتري حقيبة ذات ماركة عالمية، وسيظن الناس أنني سعيدة لأن حقيبة غالية وجميلة بالضرورة تتدلى من كتفي.
أمي ستبتسم لي في الصباح؛ لأن بإمكاني الاستغناء عنهم جميعًا مع
ذلك أختارالبقاء.

الهدايا ستجعلني سعيدة دون أوهام يا حبيبي، لو أن بإمكانك أن تجد مكانًا خفيًا داخل بنورتك السحرية، فابحث لي عن عمل إضافي آخر.
سعادتي الجديدة ستعوضني غيابك، سأرسم لك صورًا كثيرة، سأقيم معرضًا على شرف حضورك في الصور، سأبيعك لأعلى سعر يا حبيبي وأنا أحكي عن الحب الذي لا يشبه الحب.

لا حاجة بك للكلام،
هذه المرة توقف عن الكلام والرقص معًا،
اشترِ لي بيتًا في ميدان المساحة، 
ولن أهتم لكونك لم تقرأ كتابًا من قبل.







..............
الرجاء قراءة
مقطع من رسالة طويلة لم تكتب بعد

.........

painted by: Albert Guasch



........

الاثنين، 24 نوفمبر 2014

تحت مظلة الغياب








 .

أفكرُ في الشاي؛ لأنني أرغب في ابتلاع مشاعري.
كلُّ هـذه الجرعة من اللطف تجرحني،
تضغط فقاعة أخشى انفجارها فجأة، كيف سأكون دون وحدة تحميني؟.
كل هؤلاء المعجبين يبتسمون، ويدسون أرقام هواتفهم داخل الكتب، وعلى قوائم الطعام وفي رسائل الفيس بوك.
الشاي سيساعدني لأنسى جمالك.


لا أتعرف عليك في الصور، أنا التي وقعتُ في غرام صورتك.
الحب يشبه المخدر وهو يردد صوتك ينطق بكلمات لم تأتِ ببالك أبدًا.
كل
هـذه التروس صارت ناعمة وصدئة، ماكينة الحب هزيلة جدًا تحت جهاز الأشعة، فقط كرتونة فارغة بلون محايد؛ كي تستقبل انعكاسات الرغبة.
خيط الرغبات يربطني في آخره، ثم يدور بي حول نقطة واحدة، يدور حتى أقترب، أقترب جدًا ولا أصل.
لا اظنُّ أن بإمكانك تقديم ما هو أكثر من جسدك، هل تملك شيئًا آخر يا حبيبي؟


كان عليك أن تُغرق غادة تخاف، وتنتظر غادة تحب؛ لكنك بدلًا من ذلك قلت لي:
"أنا هش وأنت قوية"، أنا هش وخفيف مثل أكياس الفاكهة، وأنت جبلٌ على هيئة امرأة.
مرورك العابر هو وجبة كاملة لجائعة مثلي، لم تجرب الشبع من قبل.



الشاي يبادلني الابتسام، عيون النادل تلفّْ وتبحث عن شيء يسمح بتدفق الكهرباء، يذهب ويجيء ثلاث مرات دون هدف. الكهرباء لونت وجهي، وخلقت ضحكتين تفهمان جيدًا طبيعة الخيال الذي يتحرك حولي داخل دائرة تتسع.
أنا أيضًا أرغب أيها المجهول، أرغب بشدة ولا أستجيب.
جسدي مكبلٌ بأفكاري، وأفكاري متصلة بأمي،
وأمي تئن ...
تئن يا غريب.





..........

اللوحة من رسوماتي






......................

السبت، 6 سبتمبر 2014

إلى الحبيب الذي لا يقرأ الرسائل











إلى الحبيب:


اليوم أخبرتُ أختي أنَّك تتحرك بعيدًا عن مرمى بصري، لأنك تستطيع قراءة مشاعري بدقة، فتعرف مثلًا أنني أقترب منك دون أن أتحرك من مكاني، وتشاهد الخيوط التي تنمو فجأة في المسافة بيننا، وتكرر ضحكة واحدة بعينها كل مرة، كل مرة أحب ضحكتك أكثر.

أختي طلبت مني أن أسألك: لماذا لا تحبني؟ أو لماذا تتعمد الهرب مني؟ أو لماذا يحدث كل ما يحدث؟
بعد أن أصابني الوجع، فكرت أنني لا أستطيع أن ألوم أي شخص على عدم محبتة لي، المحبة تأتي أو لا تأتي إلينا، لم أخترها بالتأكيد، لو كنت أملك اختيارها لقررت أن أتركها وحدها واقفة في الشارع بجوارك.

لا أستطيع الحركة خارج أفكاري، أفكاري تخبرني أنَّ هذه المكالمة بلا فائدة، لقاؤنا نفسه سيصبح جارحًا في الدقيقة الثالثة، كل ما سأفكر به أنك لا تهتمُّ، وأنني أتيتُ كي أتسوَّل اهتمامك.



أختي تقول: ربما كان يحبك فعلًا....
وماذا لو أنه كان يحبني، هل سأطلب منه أن نحاول استعادة ما فات، سيخبرني عن المستقبل الذي ينتظره بعد شهرين على الأكثر.
ما يحدث في الأفلام لا يحدث داخل حياتي.


ليس بإمكان روحي أن تغطي روحه، أنا لا أشبه بطانية كبيرة وناعمة بإمكانها احتضانه بحب، أنا منديل صغير يرتجف من البرد.
لا أعرف ما هو مفتاح سعادته، ولا أعرف باب بهجته، وغالبًا سأتعثر بالسلمة الأولى في قلبه، تمامًا مثلما فعلتُ من قبل.
سأجلس معه وأفقد الكلام، وحينما يسألني عن سبب لقائنا سأرتبك، الوجع يسيل ممتزجًا بالحب، قدرتي على التنفس تخفت، سنتمشى معًا، وأنت تريد أن تمسك يدى، بينما أفكر في الهرب.
كنت أودُّ أن أقول: "لقد تغيرتُ، أنا الآن أفهم ما الذي أريده تمامًا، وأريده الآن". لكنني للأسف لا أفهم أي شيء، مشاعري نفسها التي تتحرك في وجودك، تختفي من حياتي بعد ذلك كانها لم تحدث أبدًا.... لا أفهمها، ولا أفهم لماذا أعود إليك كلما تكسّر العالم فوق رأسي.


أريد أن أشفِي روحَك من الضياع، لكنني لا أعرف دواءك، لا أعرف ما هي المقادير الصحيحة لصناعة سعادة تليق بك، أقول لنفسي: لديه امرأة تحبه، إذا لم تعرف هي كيف تجعله يبرق؛ فبالتأكيد لن أتمكن أنا من ذلك. ربما دواءه خارج الحب، ربما ترياقه داخل السفر أوالتأمل أوالكتابة.

في أحلامي أشاهدنا معًا، لكننا لا نمشي باتجاه نهاية سعيدة أبدًا – نعم مازلتُ أتصور أن هناك نهايات سعيدة يا حبيبي_
سنتشاجر بعد إسبوعٍ على الأكثر، حياتي لا تشبه حياتك، وأصدقاؤك مخيفون، لا أفهم كلامك بالكامل، والطريقة التي تسخر بها من العالم غريبة لدرجة أنني أتألم وأخاف، الدخول في نقاش طويل معك لن يجعلنا نصل إلى أي مكان، بالنسبة إليك، أنا امرأة ساذجة بأفكار محفوظة، ومصابة بأمراض المجتمع إلى درجة قاتلة.
وبالنسبة لي، أنت تضيّعُ نفسَك بانتظام.


أضحك من الحياة التي ربطت قلبي بيد رجل لم أعرفه جيدًا، ولا أستطيع الاستمرار في الكلام معه دون أن تربكني رغباتي.
أريد ان اتكلم معك، أريد ان احضنك ثم أتكلم معك، واعرف انَّ حكايتنا معًا لن تذهب إلى أي مكان، آمل في نسيانك فقط، لكنّني لا أضمن نفسي ابدًا، غالبًا سأستعيد كل مشاعري مرة أخرى؛ لذلك أنا أقف في مكان بعيد، وأكتفي بالكتابة فقط.


........
غادة خليفة
2014


.



.




painted by: antonio mignozzi
.......

الاثنين، 28 يوليو 2014

كلنا في السجن - عن مسلسل سجن النسا






"كان يوم إسود يوم ما شفته"
هكذا كتبت صديقتي "مايفل" على الفيس بوك تعليقًا على التطور الدرامي لمسلسل سجن النسا. كان بإمكانها أن تتوقف عن مشاهدته، لكنها رغم الألم تجد نفسها هناك معهن داخل السجن.

في المشهد الذي لا تجد فيه (شفيقة/زينات) علاجًا للكلى أجد الدموع تتدفق من عيني، فأخبر نفسي أنه مجرد مسلسل فقط، وأنها ممثلة ربما تذهب إلى الرقص بعد أداء هذا المشهد.
في لقطة متكررة تنادي السجانة على الوارد الجديد أو السجينات المستجدات، فأنتظر أن تنادي اسمي معهم، أنا معهم حتى ولو لم يمر اسمي من هناك.



أنا غالية التي تعمل في مهنة لا تناسب روحها، وتصدق الأفلام التي أخبرَتها/أخبرتني أن الحب هو غاية الحياة، وأن المرأة التي تحب تكون دائمًا على استعداد لأن تضحي بكل شيء لأجل حبيبها.
ما الذي كان بإمكانه إنقاذ غالية من السيناريو التعس الذي وجدت نفسها داخله؟

ربما كان عليها أن تختار نفسها، نفسها فقط وأحلامها دون الالتفات لنصائح أبلة إحسان أو لصابر الذي يخبرها أن عليها أن تدفع ثمن الحب.
غالية لا تعتقد أنها جميلة، أو أن بإمكان أحد أن يحبها، تشعر بالامتنان لمحبة صابر، صابر الحبيب الذي يصغرها في السن، ويشعرها دائمًا أنه يضحي باختيارات أكثر جمالًا ومتعة كي يكون معها فقط.
غالية لا تصدق مشاعرها مع أنها أخبرتها أن نوراة تغار، مثلي تمامًا حينما أحتاج إلى وجود آخرين ولا أجد أحدًا سوى أصدقاء أتألم وأنا معهم.



أما حياة فتجعلني أفكر كثيرًا في كل ما حدث لها قبل أن نقابلها على الشاشة، كانت طفلة في بيت يمتليء بالكثيرين، يحدث أن تجلس على رِجل عمو، ولأنها خجولة فهي لا تعرف ما الذي يفعله عمو معها تحديدًا، عمو تنفتح عيناه على اتساعهما بعد كل مرة وهو يقول لها: "هدبحك لو قلتي لحد".

حياة اختارت أن تنسى هذا الجزء بالكامل، ولم تعرف لماذا كانت تتلعثم حينما يخبرها ابن الجيران أنها جميلة.
في الشارع لا تستطيع أقدامها أن تحملها، ترتجف من الخوف؛ لأن أحدهم تحرش بها، ليس مسموحًا أن تخبر أمها عن هذا أيضًا.
أصبحت تكلم نفسها، نفسها التي تخبرها أن تخاف أكثر لأن غولًا كبيرًا ينتظرها على بعد خطوات.

تزوجت حياة مثلما يتزوجن جميعًا، ومثلما سأتزوج أنا أيضًا؛ لأننا يجب أن نتزوج ... فقط. زوجها يريد منها أن تخدم في البيت، وأن ترعى الأولاد، وأن تذهب معه إلى السرير آخر الليل، مقابل أن يصرف عليها، هذا هو كل ما يمنحها إياه ... النقود.
هل استمع لمخاوفها يومًا، هل حاول أن يجعلها آمنة وسعيدة.. ربما لم يحدث.
لكنه لو جاء إلى هنا لصرخ بي: أعمل لمدة 12 ساعة كي يظل هذا البيت مفتوحًا، ما الذي تتوقعينه منى بعد 12 ساعة من العمل المتواصل؟




رضا طفلة عنيدة تتذمر ضد خدمة البيوت، وضد أن يهينيها أحد، أو يسخر منها، تشبهني في أول عمل لي، كنت لا أقبل الملاحظات، وكنت أبكي بعد أن يمشي الجميع ويتركونني وحدي أمام جهاز الكمبيوتر أحاول إنهاء العمل.
مثل رضا كنت أكتم الألم، ولم أخبرهم أبدًا أنني أكرهم، وأنهم لا يستحقون النجاح؛ لكنني كنت أفرح قليلًا بالنقود آخر الشهر، لم تكن حياتي مربوطة مع إخوة جائعين ينتظرون مني أن أمنحهم حياة أفضل.
كان بإمكانها أن تنجو لو هربت ، أو لو ذهبت إلى أي مكان لتتعلم، كان بإمكانها أن تنجو لو كان لها صديقة تشاركها الوجع وتهون عليها الحياة.



(شفيقة / زينات) تحب الحياة رغم كل شيء، وتحاول أن تفرح، تحاول دائمًا حتى وهي تموت بكلية مريضة. وجدت قلبي هناك ولا أعرف كيف استطاعت هذه الممثلة التي أراها للمرة الأولى أن تجعلني أصدقها.
زينات تسكن في حجرة تشبه القبر وتمارس الجنس التجاري كي تعيش.
ولا يمكننا سوى أن نخجل من أنفسنا أمام فقرها وألمها.



   نشاهد المسلسل ونجد أنفسنا داخل السجن لأننا مسجونين أيضًا، ولأننا مسئولين عن كل هذا الظلم الذي نعرف أنه أشد قسوة وألمًا في الواقع.
نعرف أن السجن الحقيقيى لا تدخله الشمس هكذا وأن المسجونات لا يجدن أماكن تناسبهن. في السجن الحقيقي يندر أن تجد البهجة أي بهجة على الإطلاق.


...............



الثلاثاء، 6 مايو 2014

أنسي االحاج ونوافذُه المضاءة بعد الغياب العام

.


.





لا أعتقد أن الشعراء يموتون أبدًا، الشعر يحتفظ بأرواحهم داخل العالم، ولا يسمح لنا بالنسيان. كنت أتابع مقالات أنسي الحاج في الأخبار بانتظام وأجد ما يكتبه هناك قريبًا إلى قلبي ومدهشًا أيضًا.
في مقال أنسي الحاج المنشور في جريدة الأخبار بتاريخ السبت 28 ديسمبر 2013 ( ملامح امرأة صاعدة) وجدت نفسي بين سطوره، وفكرت كيف يمكن لشاعر لم يعرفني أبدًا أن يأتِ بي إلى سطوره بكل هذه الدقة.

"بخل العواطف يُقوّي. إنّه فولاذ الروح، ترْس القلب. لا شيء يخترق هذا الحاجز. لا الحاجة ولا الحبّ. قد تخترقه الشفقة لحظة وسرعان ما يهبّ النسيان"

رهاني على الشعر يكمن في قوة اتصالة بالآخرين، وفي قدرته الفائقة على رصد دواخلنا ومشاعرنا، وكل ما نخفيه حتى عن أنفسنا.
هذا الكشف عن كل ما يجب إخفاؤه يحررني من الضياع داخل وحدة عميقة، ويهمس لي أن هناك امرأة أخرى بصمتها تشبه قلبي، مرت من هذا العالم، وتركت أثرًا داخل شاعر استطاع أن يكتبها في كلمات تتماس معي.

حينما أقرأ أشعار أنسي الحاج – أغلب ما قرأته من المواقع الإلكترونية- ألتقط مقاطع صغيرة تعجبني، مثلما أفعل مع كل الكتب والدواوين التي أقرأها. أبحث عن نفسي داخل كتابات الآخرين وأفرح كلما وجدتني هناك.

"الشمس تشرق في جسدكِ
وأنتِ بردانة
لأن الشمس تَحرق
وكلّ ما يَحرق هو بارد من فرط القوّة"

في الشعر لا أطارد المعني داخل النص، النص الذي يشتبك بمشاعري فقط هو الذي يجبرني على الاحتفاظ به داخلي.  أشعار أنسي الحاج تتصل بي في بساطة مدهشة، وتصنع حوارها الخاص معي، وتخبرني عن أشياء أعرفها جيدًا، ولم أتمكن أبدًا في صبها داخل الكلمات.

"من كان يعرفك فغدًا لن يعرفك
ستُصبحين أُمّاً لجميع الأشياء وبهدوء تتَّجهين نحو
جسدك"

تشتبكُ بي كلمات أنسي الحاج، وأتذكر ما أعرفه عن بصيرة الشعراء، وطريقتهم في اختراق أعماق الآخرين، والدفع بها إلى سطح الورقة، عبر كلمات تحتاج إلى قاريء يستطيع أن يتجاوب مع لحنها الخاص.

"أعجز عن حماية نفسي من أحلامك. أعرفك قليلاً
أيّتها القارئة الجميلة، أنت خليلتي وأُختي. أعرف قليلاً
كيف تُمسكين الكلمات من خصرها، وتعصرين،
تعصرين"

سحر الكتابة بلا شطآن، فكما يعرف أنسي الحاج كيف يتسلل إلى أعماقنا، فإنه يتنبأ بقدومنا إلى عالمه الخاص وإلى كل ما ترك لنا من أشعار ومقالات وكتابات حية ستظل تخاطبنا، وتعيد صياغة علاقتنا بالعالم دائمًا.
.........

غادة خليفة

2014



...
نشرت بمجلة الشعر
ربيع2014


...

الأربعاء، 30 أبريل 2014

إلى ضوي









تسألني حفيدتي الآن أو في زمن آخر:

-  "ماذا كنت تفعلين يا جدتي حين كان يتم إعدام المئات ببساطة، وأنتم على وشك الدخول إلى حكم عسكري آخر، ماذا كنت تفعلين في أيام كانت الحركة فيها داخل الشارع خطرة، وليس من المستبعد أن تنتهي حياتك برصاصة طائشة أو في أقسام الشرطة تحت التعذيب؟"

-   كنت أكتب الرسائل المزيفة إلى أصدقائي، وأنشرها على المدونة وبعد أن أنتهي من غسيل الصحون أبتسم لأن اليوم مرَّ دون خسائر.


لماذا أكتب إليك رسالة مزيفة يا صديقي، وأنا أتبادل معك رسائل حقيقية، يمكنني اقتطاع أجزاء منها ونشرها هنا.
لا أرغب في صنع مفاجأة صغيرة لك- مثلما كانت رسالتك بالنسبة إليَّ-، إنني فقط أتحايل على الكتابة التي لم تعد تأتي، أقول لها تعالي ولن أطلب منك أكثر مما تودين منحه حقًا.



كنتُ أقف بجوار الباب ريثما تنتهي أختي من البحث عن المفاتيح، ورد كانت تمسك يدى اليسرى ويدي اليمني تمسك الباب، عيناي مع أختي تبحث وتراقب البحث، قلبي داخل يدي اليسرى التي تتمسك بورد.
ورد ترغب في الإفلات بنعومة، وأنا أحتفظ بيدها معي بلطف، تبدأ في الدوران حولي، تمد ذراعها وتضحك وهي تتحرك خلفي وأمامي وتأخذ عيوني معها، تتحرك مثل "البرجل" حول نقطة ارتكاز هي يدها الصغيرة المحضونة بيدي ، تفرح باللعبة ثم تضحك.
تضحك فيمكن لقلبك أن يمتليء بالورود، ليس قلب الخالة أو الأم بل القلب الذي يمر بالصدفة بجوار هذه الضحكة المبهجة الصافية.
في البداية فرحت معها ووصلني إحساس غامر بالرضا لأنها معي تضحك، وأنا أحبُّ أن تضحك، في اللحظة التالية جال بخاطري أن الجيران سيلتقطون صوت ضحكتها وربما يحسدونها.

هنا وجدَتْ أختي المفاتيح، خرجَتْ وأخذت ورد بعد أن أغلقنا الباب، بعد درجتين على السلم وقعت ورد وارتطمت رأسها الصغيرة بحافة السلم، أختي جلست على السلم تحتضنُها ووجها يكاد يخلو من الدم، ثم حاولت أن تتفقد جسدها لتتأكد من سلامتها، ورد تبكي وتصرخ بحرقة ووجع، ثم بدأت تنسى الوجع وتهدأ. أظن أن هناك خيطًا يربط بين وقوعها على السلم وضحكتها الجميلة العالية.


لا أريد أن أصبح امرأة خائفة، لا تتحمل أن ترى الجمال دون أن تربطه بسرعة بالفقد.
سأحرمها من جمالها كي لا يخطفها اللصوص أو تؤذيها عيون الحاسدين. سأنسى يا ضوي، مع الوقت سأنسى أن لورد ضحكة جميلة تُنعش، وكل ما سيتبقى لي هو الإحساس بالخطر. سأتحول إلى نسخة من أمي التي يحول عقلها الجمال إلى وجع محتمل وفقد سيحدث حتمًا.


رسالتك لم تعثر عليَّ، أخطأتني وذهبت إلى امرأة أخرى ليست أنا، المرأة نفسها التي قرأت الرسالة وتنهدت "ياليتني غادة"، راقبي أحلامك يا عزيزتي، غادة مثلك تمامًا تفكر أنها تود لو كانت "غادة الرسالة" أيضًا.
الملاكة التي تجلس وديعة داخل جمالها الخاص لا تشبه ما أعرفه عن نفسي، ولا تتماس مع كل الخيال الذي يحوِّم حول صورتي، ربما وددتُ لو كنت إلاهة لكن مشاعري تكسرت على حافة العجز.
الخيال الأول يرتطم بهالة ما لم أرها ولا لمرة واحدة، والخيال الثاني يلمس الوجع الذي يتخفى في اليأس. لا أصدق الجمال الذي يطفو ولا الوجع الذي يليه في تعاقب سريع، لكنني أريد أن ألتقط صورة حية لما أراه داخل نفسي ولا تلتقطه عيون الآخرين.


1

في أحد الأيام كنت أعرف بحرًا، أحضر لي البحرسمكة خزفية في عيد ميلادي، قام بلفها جيدًا بالجرائد ثم أخفاها داخل كيس أسود طواه بعناية حولها عدة مرات، لم يتحدث معي، لم يقل كل سنةوأنتِ طيبة، فقط أهداني السمكة التي صنعها لأجلي ومضي.
كنت صغيرة جدًا لدرجة أنني لم أتصور أن الحب الذي أبحث عنه يمكنه أن يتنكر في هيئة سمكة خزفية صغيرة لا تنطق.


2

الرجل كان يقف داخل القاعة المزدحمة، الناس يتحدثون عن ضرورة التخلص منه ولم يكتشفوا وجوده بينهم. أعرفه وأراقبه وهو يمسك المقص ويبدأ في قص شعره كي يتخفى. يقترب مني ويقف خلفي تمامًا ويبدأ في قص أطراف شعري، وكل ما أفكربه أنني أحب القصة الأخيرة لشعري ولا أرغب في إفسادها.
الرجل يواجهني بلا مقصات ويبدأ في تقبيل أطراف شعري بعد أن يلمسها في حنان، أذهب معه خارج الغرفة ثم يتوه مني في الطريق، لا أبحث عنه أبدًا، أخبر نفسي أنه سيعرف كيف يعثر عليَّ، ثم أتوقف وأنا أفكر أنه أعمي وربما لا يجدني، أكمل المشى وأنا متأكدة أنه سيجد طريقة ما ليكون معي.


3

أقرأ مذكرات فلليني وأقوم بثني أطراف الأوراق التي أحببتها، أنتقي ما أعرفه جيدًا واختبرته داخل نفسي، أما كل هذه الأوراق الممتلئة بكلمات لا أتعرف عليها فإنها تمر ببساطة، مثلما تمر الأتوبيسات التي لن أركبها.

يقول فيللني متحدثًا عن بطلة فيلم ليالي كابيريا: " كل ما تسعى إليه هو الحب، لكن البحث عن الحب لا يضمن العثور عليه، كما أن منح الحب لا يضمن تلقيه، إن كل شيء في الخارج يخذل هذه المرأة، وفي النهاية يتوجب عليها أن تجد أي خلاص داخلي ممكن".




.......
غادة خليفة
2014

.......
لقراءة الرسالة الأولى إلى ضوي

............


painted by: Afrin sajedi



....

الأحد، 27 أبريل 2014

أكتب كي يخفَّ ورني قليلًا



.

.

صديقتي تضع فكرة الحب على المائدة بمجرد أن تصل، الكلام عن السفر والكتابة سينتهي بعد أن تشرب النسكافية وتخبرني أن عليَّ أن أجد حبيبًا واحدًا على الأقل
ثم بعد نظرة واحدة لعيني التي تلمع تخبرني: " لقد أحببتِ، أنا متأكدة، أنا أعرف هذا البريق جيدًا".
كلامها لا يقبل المناقشة ولا تنتظرني كي أخبرها بما يحدث، في آخر الحوار تتننهد وهي تشعر بالإحباط لأنني/ لأنها لم تحب.

ماذا لو قررت أن أضيع دون حبيب، على أيه حال لن يفتقدني أحد.


أريد أن أضغط زرًا ما فيتوقف العالم، أريد أن أبكي مع أنني لا أشكو من انقطاع الكهرباء، أو من رائحة الهواء الملوث باحتراق الأرز، أو من الموت الذي ينتظرني في الشارع دون أسباب.
أمرُّ بجوار كل شيء بدروع كاملة أغير ألوانها باستمرار، صديقي يخبرني كم أنا قوية، دروعي تعمل، أنا قوية دون دروع، أحتاجها كي أئتنس فقط، القوة لا تنقذني من حياتي، تبرق فقط كي تُخفي كل هذا الضعف.
الأفكار تتدفق بالقصور الذاتي كي أنسى أنني أقاوم رغبة حقيقية في الموت.


ثقيلة على قدميَّ، أفكر أن أصابعي تكتب لي رسالة شكوى من كل هذه الكيلوجرامات الزائدة ولا تنسى أن تخبرني بأنين ركبتي الصامتة دائمًا.
أكتب إلى قدميَّ رسالة اعتذار، وأعدُها بحسن التصرف، مع أن الاكتئاب لا يترك لي حلولًا أخرى، أكتب كلمة الاكتئاب ولا أقصد سوى هذه الدموع وهذا الإحساس العارم بخيبة الأمل وهذه الفتافيت المتناثرة التي أتحول إليها كل يوم دون سبب.

أكتب كي يخفَّ وزني قليلًا؛ لكنني لا أصل إلى الطيران أبدًا، الانفعالات التي تغزل الكلمات وتحولها إلى سيرك حي أصبحت بعيدة جدًا، أنتظر انفجار جهاز الكمبيوتر حينما تأتي الكهرباء وأخبر نفسي أنني فقط أحتاج إلى النوم كي يمرَّ كل هذا الأسى.

أشبه التليفزيون القديم، لا أستطيع التعامل مع كل هذه التقنيات الحديثة ولا أحسن فهم الألوان، العالم بسيط ومتدرج من الأبيض الشفاف إلى الأسود الثقيل، وليس بإمكاني فهم كل التعقيدات التي يجب عليَّ أن أفك شفرتها، طبيعتي ليست مناسبة للألعاب الإلكترونية، كل هذا التعقيد داخل صندوق الرسائل لا يناسبني.

الشغف المصنوع خارج الحب يشبه الحب، لكنَّ صلاحيته تنتهي فور أن يبدأ، ولا يمكن للخيال أن يمنحه عمرًا أطول، يشبه البرق الذي يخبو فور أن يستسيقظ.
أحاول صناعة الحب خارج الحب، أخترع مساحات أخري لا يلتفت إليها أحد، ليست محفورة داخل كهف الوحدة كما تظن أختي وليست تحت شمس الآخرين بالكامل.

لم أنجح بعد في زراعة أرض صغيرة لي، أتفاجأ بأنني لا أجد مكانًا لي -كل مرة- مع أنني أحاول بقوة ودأب.

....