‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 مارس 2019

عن سكينة حبيب الله وخطتها البديلة



في ديوانها الجديد "خطة بديلة" الصادرعن منشورات المتوسط 2019 تبدأ سكينة حبيب الله خطتها البديلة بالتدفق والسقوط القوي للمياه (بحركة واحدة)
"السقوط/ إنه السقوط العظيم/ ما يجعل نهرًا/ يتحول إلى/ شلال"
المياه هنا هي قوة الحياة التي تُغير مسارها دائمًا، يتحول النهر إلى شلال حين تختفي الأرض التي تسنده فتتعرى قواه الكامنة كلها ويتدفق بقوة جديدة
تسميه سكينة سقوط وربما يكون السقوط هنا هو الولادة، ألم نسقط نحن من الرحم إلى الأرض.
في قصيدة "الماء الذي يغلي في فمي" نرى الماء أو النهر المتحول إلى شلال يغلي، دلالة على اكتشاف النار/ المعرفة التي تحول الحياة المتدفقة إلى حياة مؤلمة.


المفردات المتكررة أوالطريقة التي ينمو بها العالم الشعري لسكينة حبيب الله
الشجرة
الكلمات / الكلمة
البيت
القلب
اليد أو القبضة
الموت/ الحياة
الأيام
العش

تعتمد طريقة بناء الديوان على إعادة الكتابة على مستوى أعمق والدخول من المفردات ذاتها إلى معاني جديدة.
تمامًا مثل الشجرة التي يمكن رسم ساقها فقط أو أغصانها أو التفرغ لمراقبة الجذور وفي كل مرة يتكون لدينا مشهدًا مغايرًا مع أننا لازلنا أمام الشجرة ذاتها.
مفردة "الشجرة" مفردة رئيسية في كتابات سكينة حبيب الله نرصدها في هذا الديوان وأيضًا في ديوانها الأول "ربع قرن من النظر" الصادر عن الدار العربية للعلوم 2014.
على امتداد الديوان -في أوله ووسطه وآخره- نشاهد ثلاثة قصائد هي: "قلبي" "قلبكَ" "القلب" ورغم تكرار استعمال مفردة القلب إلا أنها تقدم لنا قلبًا جديدًا في كل مرة.

.
لم تنس سكينة وهي تقدم لنا خطتها البديلة أن تشير بطرف خفي إلى الخطة الأصلية كما في قصيدة "شمس"، تقول: "
فأنا لن أبتلع الصديد بل سأبصقُه في قصيدة"
تكشف لنا الشاعرة عن الطريقة التي يتحول بها الألم القديم المتقيح إلى كتابة شافية.
.
أيضًا من قصيدة "أقول ربما":
"أقول ربما وأندم/ فالصباح مهما سلطت عليه من ليل/ يفزعني كل يوم بقدرته على النجاة" الليل هنا هو وقت السكينة وقت الأحلام والكتابة والخيال
الصباح هو الاستيقاظ من الخيال ومواجهة معركة الحياة اليومية
هنا أيضًا تكشف لنا سكينة جانبًا من الخطة الأصلية وتخبرنا بوضوح أن الخيال أو الشعر هو الخطة البديلة.

.
يرتكز الديوان على عدد من القصائد أعتبرها أعمدة الديوان أو القصائد الكاشفة عن تجربة سكينة وخطتها البديلة منها "
صورة تخطيط الصدى لامرأة عادية"، "كانت ثمارًا على شجرة"،
"أربع محاولات لتجميع عظام جثة".

في صورة تخطيط الصدى لامرأة عادية تقول الشاعرة:
"لا تلتفت إليّ، أيها العالم/ أنا مجرد امرأة عادية/ أعلم أن النظر في عينيّ/ يبعثُ على الخوف/ عيناي اللتان من أبيض وأسود/ كصورة إيكوجرافي/ تحمل الخبر السيء"
هذه النظرة السوداء للذات الشعرية تعكس قوة وتحدي في مواجهة التجاهل والإنكار المستمر والمتعمد من العالم.

في كانت ثمارًا على شجرة تقول الشاعرة:
"ثمرةٌ متضررةٌ/ تسقط فوق أغصان ميتة/ فيدبُّ فيها مشيٌ عظيم/ هكذا بدأت القصة إذن/ وعلينا أن نكملها حتى النهاية/ دون خروج عن النص/ نمشي/ نبالغ في المشي إذا لزم الأمر../ إلى أن ننسى/ أننا لن نعود أبدًا/ ومهما حصل/ إلى الغصن/ من جديد"
وكما نلاحظ فهي قصيدة عن الخروج الأبدي من الرحم، والوجود الجبري داخل الحياة ومفردة المشي هنا تربطنا بالحركة الأولى للماء في القصيدة الأولى.  

لسكينة طريقة ذكية جدا في اختيار العناوين بحيث يُكتب معظمها وتلحقه نقطتان رأسيتان، فيصبح العنوان هو مجمل النص يليه تفصيل النص داخل القصيدة.
الذكاء في استخدام العناوين متقدم عن ديوانها الأول "ربع قرن من النظر".
الإيجاز والتكثيف الواضح في القصائد يشي بعدد كبير من القصائد المحذوفة، حتى يكون بناء الديوان محكما ومتصلا بهذه الطريقة.
يحتوي الديوان على قصيدتين تشيران إلى الكتابة القادمة أو الديوان الجديد وهما "العلاج بالأرق" و “expired death” وتظهر فيهم الفانتازيا الساخرة الصارخة.

في النهاية أترككم مع مقطع بديع من قصيدة شمس، تقول سكينة: 
"أنتِ أيضًا/ لا تستطيعين إطفاء نفسك لبعض الوقت/ أنتِ أيضًا لم يمنحك أحدٌ عينيه/ لأكثر من ثوانٍ معدودة/ أنتِ أيضًا/ لا تعرفين لمن تخبئين كل هذا الدفء/ لا، ليس عليكِ أن تذهبي إلى أي مكان/ بإمكانك أن تمكثي معي/ ربما نتقاسم معًا هذا البيت/ ثمة وحدة هائلة تتسعُ لي ولكِ/ لستِ مذنبةً في أي شيء/ فالقلب الذي رخص/ ربما كان رخيصًا منذ البداية"
 

الثلاثاء، 6 مايو 2014

أنسي االحاج ونوافذُه المضاءة بعد الغياب العام

.


.





لا أعتقد أن الشعراء يموتون أبدًا، الشعر يحتفظ بأرواحهم داخل العالم، ولا يسمح لنا بالنسيان. كنت أتابع مقالات أنسي الحاج في الأخبار بانتظام وأجد ما يكتبه هناك قريبًا إلى قلبي ومدهشًا أيضًا.
في مقال أنسي الحاج المنشور في جريدة الأخبار بتاريخ السبت 28 ديسمبر 2013 ( ملامح امرأة صاعدة) وجدت نفسي بين سطوره، وفكرت كيف يمكن لشاعر لم يعرفني أبدًا أن يأتِ بي إلى سطوره بكل هذه الدقة.

"بخل العواطف يُقوّي. إنّه فولاذ الروح، ترْس القلب. لا شيء يخترق هذا الحاجز. لا الحاجة ولا الحبّ. قد تخترقه الشفقة لحظة وسرعان ما يهبّ النسيان"

رهاني على الشعر يكمن في قوة اتصالة بالآخرين، وفي قدرته الفائقة على رصد دواخلنا ومشاعرنا، وكل ما نخفيه حتى عن أنفسنا.
هذا الكشف عن كل ما يجب إخفاؤه يحررني من الضياع داخل وحدة عميقة، ويهمس لي أن هناك امرأة أخرى بصمتها تشبه قلبي، مرت من هذا العالم، وتركت أثرًا داخل شاعر استطاع أن يكتبها في كلمات تتماس معي.

حينما أقرأ أشعار أنسي الحاج – أغلب ما قرأته من المواقع الإلكترونية- ألتقط مقاطع صغيرة تعجبني، مثلما أفعل مع كل الكتب والدواوين التي أقرأها. أبحث عن نفسي داخل كتابات الآخرين وأفرح كلما وجدتني هناك.

"الشمس تشرق في جسدكِ
وأنتِ بردانة
لأن الشمس تَحرق
وكلّ ما يَحرق هو بارد من فرط القوّة"

في الشعر لا أطارد المعني داخل النص، النص الذي يشتبك بمشاعري فقط هو الذي يجبرني على الاحتفاظ به داخلي.  أشعار أنسي الحاج تتصل بي في بساطة مدهشة، وتصنع حوارها الخاص معي، وتخبرني عن أشياء أعرفها جيدًا، ولم أتمكن أبدًا في صبها داخل الكلمات.

"من كان يعرفك فغدًا لن يعرفك
ستُصبحين أُمّاً لجميع الأشياء وبهدوء تتَّجهين نحو
جسدك"

تشتبكُ بي كلمات أنسي الحاج، وأتذكر ما أعرفه عن بصيرة الشعراء، وطريقتهم في اختراق أعماق الآخرين، والدفع بها إلى سطح الورقة، عبر كلمات تحتاج إلى قاريء يستطيع أن يتجاوب مع لحنها الخاص.

"أعجز عن حماية نفسي من أحلامك. أعرفك قليلاً
أيّتها القارئة الجميلة، أنت خليلتي وأُختي. أعرف قليلاً
كيف تُمسكين الكلمات من خصرها، وتعصرين،
تعصرين"

سحر الكتابة بلا شطآن، فكما يعرف أنسي الحاج كيف يتسلل إلى أعماقنا، فإنه يتنبأ بقدومنا إلى عالمه الخاص وإلى كل ما ترك لنا من أشعار ومقالات وكتابات حية ستظل تخاطبنا، وتعيد صياغة علاقتنا بالعالم دائمًا.
.........

غادة خليفة

2014



...
نشرت بمجلة الشعر
ربيع2014


...

السبت، 12 أكتوبر 2013

عن وسط البلد





في طفولتي كان الذهاب إلى وسط البلد علامة أكيدة على اقتراب العيد، كان الازدحام الشديد يبهجنا، ويجعلنا نرغب في الاختفاء داخله وعدم العودة إلى البيت.
بعد ذلك أصبح شارع طلعت حرب هو المكان الرسمي للتمشية المسائية السرية، كنا أنا وأختي نتمشى من البيت إلى وسط البلد، ونعود بنفس الطريقة.

كل ما أتذكره أن الشارع كان واسعًا جدًا، كأنه يمتد بلا انتهاء، وأن الأضواء الكثيرة وتدافع الناس يجعلنا نشعر بالبهجة.
بعد ذلك كانت مدرسة الحواياتي الثانوية في شارع الشيخ ريحان هي قبلتنا اليومية.
في منتصف التسعينات كان مترو الأنفاق لا يزال اختراعًا جديدًا، وكانت رغبتنا في اكتشاف المكان (ميدان التحرير وما حوله) تتسع يومًا بعد يوم.
كنا ندخر من مصروفنا اليومي كي نستطيع الذهاب إلى المطعم الشهير آخر الإسبوع،
وكان الذهاب إلى ميدان باب اللوق مغامرة كبرى، ومسافة جديدة نكتشفها يومًا وراء يوم.


في أتلييه القاهرة كانت خطوتنا الأولى نحو الفن، هذه الخطوة التي لم تبدأ بالمعرض الجماعي الذي أقمناه في قاعة راتب صديق وكان اسمه " خطوة واحدة"، بل كانت بمعرفتنا بالفنان التشكيلي الأستاذ عمر جيهان.
كنا لا نزال طلبة في كلية الفنون الجميلة، وكل ما نعرفه عن الفن هو التمارين الدراسية
لكننا داخل حديقة الأتلييه -التي كانت إضائتها أجمل مما هي عليه الآن - كنا نتعلم معنى الفن والطرق المختلفة لقراءة العمل الفني وتقييمه، كما تعلمنا الدرس الأكثر أهمية وهو أن إنتاج الفن أهم من الكلام عن وحول الفن.

في الأتلييه كان يومي الأحد والثلاثاء يكتسبان طابعًا خاصًا، أصبحنا نذهب إلى هناك بانتظام والجميع يعرفون أننا تلاميذ الأستاذ عمر، نتحلق حول مائدة صغيرة، ونناقش المعارض الجديدة ونتعرف على الفنانين والأدباء، ونشاهد اللوحات الجديدة لأصدقائنا
عمر جهان كان يعلمنا احترام تجربتنا الفنية حتى وهي في بدايتها ،ومواصلة العمل دون الالتفات لكل التفاصيل المعطلة في الحياة.


أما تاون هاوس فكان المكان الأكثر قربًا بعد الأتلييه، معارض الفن التشكيلي كل أحد وعروض الفيديو والسينما في أوقات أخرى... لا يمكن أن أكون داخل هذه المنطقة دون أن أعثر على صديق بالمصادفة.


المسافة من التحرير إلى الأوبرا عبر كوبري قصر النيل كانت نزهتنا اليوميه، كوبري قصر النيل ممتليء دائمًا بالأصدقاء والمحبين، ويبدو في كامل بهجته قبل الغروب تمامًا.
 لا أستطيع أن أدَّعي أنني أحببت أي شخصٍ دون أن أتمشى معه على كوبري قصر النيل. المياة المتكسرة والقوارب الشراعية ونسمات الهواء المتدفقة كل هذه التفاصيل كانت تؤنسنا وتنعش أرواحنا.

في الأوبرا كنا نذهب إلى الحفلات الموسيقية منخفضة التكاليف، ولا أنسى حفلات البالية الصباحية في المسرح الكبير.
في الهناجر ذو الحوائط السوداء كان وعينا يتفتح عبر المسرحيات المتنوعة والمتعاقبة التي كنا نحضرها في نهايات التسعينات ومع بداية الألفية الجديدة، قبل أن يتم غلق مسرح الهناجر للتجديدات والترميم.

في وسط البلد تعرفنا على المقاهي التي يجلس إليها الفنانون التشكيليون والشعراء،
من التكعيبة إلى البورصة إلى مقهى صالح. كل المواعيد الأولى ترتبط بمقهى ما.


أثناء الثورة اكتسب ميدان التحرير طابعًا خاصًا، تحرر من كونه محطة رئيسية، وأصبح عالمًا مكتفيًا بذاته، وممتلئًا بالأحلام الجديدة، والحياة التي ستصبح أكثر جمالًا في المستقبل. لكنه عاد مرة أخرى وأصبح علامة على الخذلان.
لا أرغب في المرور به الآن، وأخشى مقارنته بصور الذاكرة الحية.


بعد إعادة افتتاح مقهى ريش في شارع طلعت حرب كان اسمه مرتبطًا داخلي بالشاعر أمل دنقل، وكان كتاب الجنوبي لعبلة الرويني لا يزال طازجًا داخل ذاكرتي.
لأسباب لا أعرفها لم أذهب إلى مقهى ريش إلا مع الفنان عدلي رزق الله.

بدأت الحكاية بالندوة التي أقامتها له جماعة مغامير في مكتبة البلد، كان حضوري هذه الندوة هو المصادفة التي جمعت بيني وبين الفنان عدلي رزق الله.
حينما دخلت إلى مقهى ريش فوجئت بنظرة استنكار من الرجل الذي يجلس خلف المكتب في مقدمة المكان -عرفت بعد ذلك أنه صاحب المكان- سألته عن الفنان عدلي رزق الله وحينما أخبرني أنه لم يأتِ بعد فضلت الانتظار بالخارج.
بعد فترة دخلت مرة أخرى وكان عدلي رزق الله هناك، وقدمني إلى صاحب المكان بوصفي شاعرة جديدة، ولم تتغير ابتسامة الرجل الغريبة .

المكان كان مغمورًا بضوء أصفر قديم مختلف عن عالم النيون الذي يسكن حياتنا الآن،
عبد الوهاب يتدفق دائمًا بصوت مناسب " آه لو كنت معي نختال عبره".
كان عدلي رزق الله يحكي لي عن مشواره الفني، وعن المسافة الطويلة التي يجب على الفنان اجتيازها كي يجد بصمته الخاصة. وكان يحكي عن ابنتيه وعن إعادة التعرف على العالم عبر نافذة الذات.
كنت أبتسم وأندهش من هذه المحبة التي تغمر العالم من حولي، أحد الأطفال كان يأتي لـ"عمو عدلي" كي يريه رسوماته الجديدة .
دخل عدلي رزق الله إلى حياتي ليعلمني كيف أثق في ذاتي، وأؤمن بالمستقبل البعيد
ثم ذهب بعد وقت قصيروكان موته ثقيلًا وقاسيًا جدًا، لكنني أحتفظ بوجوده داخل ذاكرتي الملونة والممتلئة بالحلوى.
إلى الآن كلما مررت أمام ريش أنظر من الواجهة الزجاجية وأنا أبحث عن عدلى رزق الله.


أتمشى داخل شوارع وسط البلد باطمئنان قديم، ومهما كان ما يحدث أفكر أن بإمكاني المشي إلى البيت دائمًا.
وستظل هذه المنطقة هي الأقرب إلى قلبي، والأكثر قدرة على استدعاء الذكريات القديمة، وربط الماضي بالحاضر داخل خيالي.


.........

غادة خليفة

2013





* نشر في الثقافة الجديدة - أكتوبر 2013


painted by: Fernando Botero





......

الأربعاء، 13 يوليو 2011

كائن يختزن الألم



.

ما الذي أعرفه عن جسدي ؟
كل ما تعلمته أنني يجب أن أتجاهله دائماَ،
إذا التوت قدمي في الطريق
علىّ أن أنتظر قليلاً قبل أن أكمل طريقي رغم الألم،
إذا اشتعلت الموسيقى فجأة واستبدت بي رغبةٌ عنيفة بالرقص في الشارع
علىَّ أن أبتسم وأمضي،
هكذا تعودتُ أن أسكن هذا الجسد دون أن أعرفه بعمق.


أبحث عن اللوحات التي تشبهني أو تشبه ما أعرفه عن جسدي،
ذلك الكائن الذي يختزن الألم في صبر.
فريدا كاهلو
*1 الفنانة المكسيكية التي تُعرِّي نفسها أمامنا داخل لوحات تتماس مع مناطق الوجع التي نرفض الاعتراف بها ونتجاهلها متعمدين .
نحن أمام فنانة استخدمت مفردة الجسد كي تعبر عن الألم الشديد
فريدا كالهو الفنانة المكسيكية التي ترسم وهي غير مهتمة بالتقنيات الفنية
قدر اهتمامها بتوصيل مشاعرها وذاتها كما تخبرها أو تعرفها بعمق

( كانت تهرب من واقعها عبر الرسم، فبواسطة حمّالة لوحات استطاعت تثبيتها على حضنها، وريش وألوان، اتّخذت من نفسها نموذجا وعلى غرار رامبراندت وفان غوغ،
كانت تروي حياتها عبر تصويرها ذاتها .
لم يعد الرسم بالنسبة إلى فريدا بمثابة سعي إلى تطوير أسلوبها أو مسألة انتساب إلى الفن الطليعي،
ولم تعد تهتم بالسريالية أو بالفن التجريدي،
كانت تحكي في لوحاتها بشكل أساسي سيرتها الذاتية،
فتستخدم تركيبةً بسيطة يحتل فيها الوجه حتماً الوسط ، لمسةً منتظمة، وضوءاً متساوياً.
أرادت بذلك رسم لوحات بديهية وبسيطة تذكّر بالرسوم الدينية )
*2


لوحة رقم (1)

في اللوحة رقم (1) تطالعُنا امرأة متخشبة قليلاً،
نصفها الأعلى عارٍ تماماً ومسنود بدُعاماتٍ حديدية كما لو كان آيلاً للسقوط،
يبدو جسدها فخارياً بشقوقٍ خفيفة
وتبدو تنورتها السفلى كأنها مصنوعة من الجبس،
يظهر ذلك في طريقة تلوينها وفي التضاد الشديد بين الفاتح والداكن
في شبه غياب للهاف تون(درجة اللون الوسطى بين الداكن والفاتح ).
المسامير الصغيرة تؤكد هذا التصلب عندما تتناثرعلى سنونها الحادة
بخلاف المسامير في الواقع التي تسقط بكامل كتلتها.
الوجه هنا هو حامل التعبير
وناقل حالة الألم المكتومة التي اتضحت من خلال الشفاه المغلقة بحزم
والالتقاء الحاد للحاجبين المرسومين بقوة.

الدموع تظهر داخل العينين وخارجها وكأنها مجرد آثار جانبية محتملة،
مع ذلك ندين بقوة التعبير للعينين المرسومتين بخطوطٍ بسيطة ومحددة،
الشروخ تتناثر في الوجه، أما الشعرالذي يعبرُعن المشاعر فهو أكثر الكتل انسيابية في اللوحة.
تبدو الخلفية منتمية تماماً لطبيعة اللوحة ،
ضربات الفرشاة الحادة تصنع السماء والسحب
بينما الأرض تظهر في الجزء الأكبر من الخلفية مُخدَّدة وكأن زلزالاً ضربها للتو.

الجسد هنا لا يشير إلى الحياة ولا يحتفى بالبهجة،
الجسد المتكسر المتكىء على أعمدة خرسانية يعبِّرُ عن وجع مكشوف تماماً
مثلما يبدو جسد هذه المرأة مكشوفاً.
ليس المقصود هنا إبراز الجمال والتناغمات في جسد المرأة
كما كان فنانو عصر النهضة مثلاً يرسمون العاريات،
ولكنه يكشف عن التشوهات العميقة للروح ،
لقد تحول الجسد من أداة للوصول إلى أداه تعذيبٍ حية .



لوحة رقم (2)


في اللوحة رقم (2) تبدو امرأة تتقيأ جسدها إلى أعلى،
وتتضح تفاصيل هذه الكتلة المعجونة من اللحم فنري الجمجمة والأمعاء
وخنزيرصغيروسمكة ودجاجة خارجين من فم امرأة
مثلما تخرج بالونة الحوار من فم رسومات الكوميكس.

تنظر لنا بقوة بينما يبدو جسدها متقلصاً في نسبٍ غيرواقعية،
خطوط الملاءة تفصحُ عن بروز للبطن،
وتبدو كتلة الشعر كثيفة جداً ومتسعة مقارنةً بالكتف ضئيلة الحجم،
في اللوحة ترقد امرأةٌ على سرير خشبي وفوقها دعامة ما تحمل ما تبصقه في وجه العالم.
في الخلفية نجد الشمس مرسومة بخطوط حادة وتأثيرات وألوان تشبه البرتقالة
وحولها هالة الضوء المتخيلة، والقمر باهتٌ في الخلفية، يكاد يتماهى معها.
السماءُ ملونة بأزرق الصباح الفاتح، والأرض ممئلئة بالأخاديد،
نقوش الملاءة المرسومة بعناية شديدة تتعارض مع خطوط بقية اللوحة العنيفة
المؤَكَّدة بالظلال الداكنة جداً.

لقد تخلصت من العالم كما يبدو داخلها ،
أوهي داخل عميلة ترجيع للحياة ذاتها،
الحياة المرفوضة داخل زمن حاضر دائماً ( الشمس والقمر ) .



لوحة رقم (3)


في اللوحة رقم (3) ترسم الفنانة فريدا كاهلو نفسها داخل جسد وعل برىٍّ أو غزال مُنهكٍ يوشك على الموت،
داخل غابة تطلُّ على البحر والأفق، نجد امرأةً بوجهٍ حزين وجسدٍ اخترقته السهام.
جسد الغزالة واقعيٌّ ومرسومٌ بدقة،
والخلفية مرسومة بمنظور واقعي ساعد على إبرازه صف الأشجار المتتابعة،
يبدو التأنق واضحاً في رسم تفاصيل الأرضية وأوراق الشجر،
حركة الغزالة كأنها على وشك الوقوع والتهاوي الأخير،
والدماء النازفة تدل على حداثة الجرح،
وهي لوحة أقرب ما تكون للاتجاه السريالي وعالم الأحلام واللاوعي.



لقد اخترتُ امرأةً ثصرخ بقوة ،
وتمتلك جسداً حيَّاً ، اختارت أن ترسمه بدلاً من أن تتجاهله ،
فاستمعت إليه وحولته إلى ألوانٍ وخطوطٍ ومساحات.
لقد أحببتها وهي تصرُّ على رسم ذاتها مرةٍ بعد مرَّة ،
أتصورُ كلَّ الآخرين الذين تركوا لها ملاحظاتٍ عن التكرار
هذا التكرار نفسه الذي جعلها تحفرُ عميقاً داخل نفس المكان،
كي يصعدَ لنا كلُّ هذا الجمال.


____________

*1 فريدا كاهلو Frida Kahlo‏ رسامة شهيرة ولدت في المكسيك سنة 1907 وتوفيت
سنة 1954 في نفس المدينة

*2 فيرونيك برات





............
نُشرت بمجلة الثقافة الجديدة
يوليو - 2011





....