‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات آخرين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات آخرين. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 18 أبريل 2014

إبراهيم - كارمن دورادو بيديا / ترجمة: أمل دسوقي


.



.
"فَلَبِثَ أَيْضًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَادَ فَأَرْسَلَ الْحَمَامَةَ مِنَ الْفُلْكِ، 11فَأَتَتْ إِلَيْهِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا"..
سفر التكوين 10:8



 إلى: أطفال العرب






فى هذا اليوم امتلأت ردهة المستشفى بالمارة، الذين يتحركون في اتجاهات مختلفة، تمتلىء الممرات عن آخرها بالنقالات، تعلو أصوات عربات الإسعاف والجرحى، جرحى كثيرون، تكاد لاتمر دقيقة دون سماع صُراخ مريض. ثم سرعان ما حلّ الظلام.

تهتز الحوائط إثر انفجارات القنابل، إبراهيم -على عكس الجميع- لايفكرإلا في الحمامة، ينظر بفضول إلى حركة الأطباء السريعة، ثم يُخرج رأسه ليتفقد شيئًا ما، لكنَّ أحد المُمرضين قاطعَه وأغلق الباب فجأة.
لا يحب إبراهيم هؤلاء الناس، فهم يثيرون غضبه الشديد، وبينما يتكلم والده مع الطبيب، كان الطفل يراقب الحركات السريعة لعربات نقل المرضى، كانت الأرض تتحرك من تحته حتى أصبح كل نفس يخرج منه يجعل رئتيه تضيق أكثر، الوميض المتقطع المُنبعث من أحد المصابيح ، يُعلن عن قُرب توقف المولد الكهربائى.


كانت ظهيره يوم من أيام الصيف، حيث تغفو العائلة وقت القيلولة، وبينما إبراهيم منشغلاً بألعابه، رأى طائرًا يرسم دوائر فى الهواء قبل أن يحطَّ على شجره زيتون : عيون سوداء محاطةٌ بإطارٍ أصفراللون، تراقب إبراهيم من أعلى الشجرة، اقترب الطفل ليلعب مع الطائر، فاكتشف أنها حمامة ذات ريش ناعم غزيروذيلٍ مضموم، بينما يرتفع عنقها لأعلى. ظنَّ الطفل أنها عطشى فأحضر لها الماء، وما أن فرغ الإناء حتى بدأت الطيران من جديد عكس اتجاه الضوء، إلى أن اختفت تماما فى الأفق.
ظلَّ الصغير متأثرًا وظنَّ أنه رأى ملاكًا، فأخذ يجري مُسرعًا ليخبر والديه بما حدث.


فى تلك الليلة، بينما يحلم صعد فوق أسطح القريه، وبينما يداعب النسيم وجهه، شاهد حقول القمح والكروم والزيتون والبحر والصيادين، كما رأى أيضًا والديهِ على الشاطىء، وأطفالًا آخرين مثله تمامًا يلعبون مع السُحب.
 فى اليوم التالى، وبينما يتناول الإفطار فى باحة المنزل، تحت شمس مُغطاة بالسُحب، ظهرت الحمامة مرة أخرى، مع أنها كانت تبدو تائهة هذه المرة.  
بعد دقائق مرَّت كالساعات بالنسبة لإبراهيم، عاد الطائرإلى الشجره التى وُضع عليها الماء في ظهيره اليوم السابق، نهض الأب وابنه فوجدا أنها تشبه الحمامة الأخرى تمامًا، غيرأنَّ جناحها مكسور، قاما بمعالجتها سويًا، وبنيا لها عُشًا خاصًا باتجاه الشرق، حتى تكون بمعزل عن الرياح والأمطار، إذ بدا لهما أنها تحتاج إلى رعاية وعناية خاصة. كان العُش أبيض مثلما أراد الطفل، أثارت هذه الحادثة اهتمام أبناء القريه وحسد زملاء الطفل فى المدرسه، فكانوا جميعهم يريدون زيارته ومشاركته في أعمال النظافة والاهتمام بالحمامة.


قبل أن تتمكن الحمامة من الطيران مرة أخرى، كان يجب عليها أن تنتظر طويلًا. فى البدء كانت تحلق على مسافة قصيرة فى المكان ذاته، ثم بدأت تطيرإلى أعلى بالتدريج، إلى أن اختفت تمامًا خلال بضع ساعات، وكانت تعود دائمًا وقت الغروب.
حينما صار القمربدرًا، نام إبراهيم قبل أن تعود الحمامة وفى أحلامه رأى صقرًا بمخالب كبيره يطارد الحمامة، لكنها تمكنت من الهرب فى النهايه.
استيقظ إبراهيم على دويّ الانفجارات التى اندلعت في القريه دون سابق إنذار، لم تمنحهم الانفجارت المُفاجئة الوقت كي يذهبوا إلى أي مخبأ، سقط جدارالفناء فوق رؤسهم، إلا أنهم استطاعوا إنقاذ الطفل والحمامة.


أعلنت صفارات الإنذار فى المستشفى عن هجومٍ جديد، مما أثار غضب إبراهيم مرة أخرى، استمع إلى صرخات الألم، ثم بدأ يرتجف، ولم يعد الهواء قادرًا على الدخول إلى رئتيه.
 فى نهايه الممر يجلس والده مع شخصٍ آخر، اقتربا منه محاولين اللحاق به لكنه سقط قبل وصولهما، شعرالطفل بيد الطبيب فوق رأسه، كما لاحظ أيضًا ثقل وصعوبه تنفسه.  
بسرعه... اوكسجين !احتضنه الطبيب مُجتازًا متاهه المرضى والضمادات وأكياس من الملابس والنفايات والحوائط المتسخه ذات الرائحة الكريهة.
دخلوا إلى غرفة مضيئة، يتوسطها سرير، وضعوا له الكمامة ، بحث الطفل عن والده وطائره فلم يجدهما.


قاموا بفعل كل ما يلزم لإنقاذ الطفل، وعلى الرغم من أنه كان مُدثرًا بعناية ، إلا أنه كان يرتجف بشكل ملحوظ .
اقتربَتْ منه امراة، وأمسكت بيده. الضوء بدأ يخفت مثل يوم غائم، وما إن لمح طيف الحمامة، حتى خلد إلى النوم مُحاطًا بأجنحهٍ كبيرة ، كان حلمًا جميلًا، وللمرة الأولى تُرتسم ابتسامة على وجهه.

.........


 كارمن دورادو  بيديا

ترجمتها عن الأسبانية: أمل دسوقي
القصة من كتاب: على خطى شهرزاد

..........


كارمن دورادو بيديا 
ولدت فى مدريد (إسبانيا) حيث تقيم وتعمل .درست فى جامعه "أوتونما" بمدريد . 
اهتمامها بالعالم العربى جعلها تسافر الى جميع انحاء الشرق الاوسط ودراسه تاريخه وأدبه والتعرف على ثقافته فى مختلف المؤسسات.
على خطى شهرزاد “Tras las huellas de Sherezade""” هو اول كتاب صدر لها منفردًا.


...........
painted by: picasso





.....

الأحد، 7 يوليو 2013

رغبة في تجريب حيواتٍ أخرى - مشمش وغادة خليفة








عزيزتي غادة، 


تعلمين، هناك مسائل في الحياة ستبقى معلقة للنهاية، حتى أني أؤمن، أننا في النهاية – بعد نهاية الأمر كله – سنكتشف أنها – المسائل – ستبقى كما هي، غير منطقية، غير مبررة، غير مفهومة إطلاقاً، لا نحن نفهمها، ولا الأشخاص الذين سنقابلهم هناك.. في النهاية.


مثلاً (لتقريب الأمر وتبسيطه)، أرسلت لكِ قبل سنوات رسالة بريدية أقول فيها أنني معجب بما تكتبينه هنا، ولم أتلق رداً على الإطلاق، هذه واحدة من المسائل.. صدقيني (لو تصدقين) أنه حتى مبررات انشغالك لن تكون كافية لإضافة منطق ما على المسألة.. ستبقى هي، كما هي، غير منطقية، غير مبررة، غير مفهومة. ستبقى كذلك، لأنها أرادت أن تبقى كذلك.


لا أريد أن يأخذ الأمر طابعاً شخصياً ثنائياً، فالمسألة أكبر، أو أعقد، أو دعينا نبحث لها عن صفة في النهاية.
ولأنها مسألة، يمكن البدء بسؤال ما، سؤال واسع جداً، سؤال بديهي، على أنه مهجور ومتروك حيث هو دون استخدام..


غادة، من أين تأتي الأشياء؟.. بعض الأشياء لدينا قدر من المعرفة (ضئيل) حول مصدرها، والبعض الآخر نعاني للحصول على إجابة له.. رسالتي هذه متعلقة بالبعض الآخر..
و"بعض"، التي تستخدم عادة للإشارة إلى ما بين الثلاثة والتسعة (هكذا قال الأستاذ في الدرس)، تخص في نظري ثلاثة أشياء محددة، الحب، الكتابة، الأحلام.

لنضع كل منها في سؤال منفصل..
من أين يأتي الحب؟
من أين تأتي الكتابة؟
من أين تأتي الأحلام؟


وسأحكي قصة قصيرة، تلخص حاجتي الشخصية، لإجابة واحدة، عن الأسئلة الثلاثة..
فأنا، شخص لا يخلص للحب (هذا ان افترضنا جدلاً ايماني بوجوده في الأساس)، لا يخلص للكتابة (لا أعتقد في قرارة نفسي أني أجيدها)، لا يخلص للأحلام (فهي مجرد صور ملونة نراها خلال النوم لقتل الملل).

ستة أشهر مضت، وثلاثية الغموض تلاحقني، بدأت من النهاية، الأحلام.. وهناك، ألقاها.
هي، وربما قبل الحلم الأول كنت سأتردد قليلاً في وصفها بـ"هي"، المسافة الفاصلة بيننا تمنعني من التأكد إن كانت ذكر أو انثى. تصدقين؟، لهذه الدرجة..
زميلة، بعيدة، خارج إطار التفكير العاطفي، أو حتى العقلاني، تأتي، تذهب، ترحل، تعمل، تتكلم، تسمع، تبتسم، وتلقى التحية كل صباح، روتين يومي يمنعني من تخيل العلاقة أكثر قرباً بأي حال.
ثم أنها لا تروقني، فعلاً، حقاً وصدقاً، لا أفضل هذا النوع، لا أفكر فيه، لا يشغل بالي، ولا يخطر على عقلي.

ثم، رحلت بعيداً، سافرت، وحين غادرت مكتبنا (بسبب مشكلة تخص العمل) كنت أعتقد أنني حصلت على جرعة من الراحة، راحة من الراحة، دعيني أقول أنني بالأساس لم أشعر برحيلها، فأنا من الأصل لم أشعر بوجودها.
رحلت، ونسيت القصة،
أوف، لم تكن هناك قصة من الأساس، القصة تبدأ الآن..



الحلم الأول : هي، وراء سور حديقة، وأنا في شرفة عالية مطلة.. تقترب من السور فلا أراها.. تبتعد للخلف، ترفع رأسها، فأرى أجمل وجوه البشر.

الحلم الثاني : هي، تحدثني في الهاتف، تقول : مالك؟.. أبكي، وأقول : مشتاق.

الحلم الثالث : هي، تجلس أمامي على الأرض، وأنا بجوارها، أسألها "زعلانة؟"، تقول "بل مقهورة"، والسبب دون أن أسأل هو أنا، ثم تنظر عالياً، وتظل تتلو ما تيسر من كلماتي التي أكتبها يومياً على صفحتي الإليكترونية، تتلوها بتأني وحب، أبكي، ألاحظ أن بعض ما تقوله ليس من كلماتي، لم أكتب هذا أساساً، لكنه يشبهني جداً، كأنها كتابة أتمنى لو أكتبها يوماً.. أراقب الكلمات تخرج من شفتيها، أذوب، سعادة لا نهائية، كأني أعرف الحب نائماً، للمرة الأولى والأخيرة.. أبكي، تبتسم، تقول : صالحني.

الحلم الرابع : هي، تجلس أعلى مكتبي، تحرك قدميها، تشبه الأطفال، أنظر إلى الكتب الكثيرة المرصوصة بنظام على المكتب، تلمح عيني عنوان"كائن لا تحتمل خفته – ميلان كونديرا"، أعود وأنظر لها، تبتسم في شقاوة بريئة، لن تكتب مجدداً، إلا عني، ابدأ بالكتابة عني، وإلا، لن تعود الكتابة أبداً.. أشعر بالغضب، لكني أدرك أنني قد غرقت.

...............

هذا هناك، في الحلم، إيقاع هادئ وصور ملونة تقضي على الملل بينما ننام. ما الذي يجعلني أفكر في الأمر وأنا هنا، في الواقع، إيقاع صاخب، وصور رمادية، حيث العمل، الشوارع، الزوجة والأطفال، والزحام والضوضاء. لماذا تطاردني بهذا الشكل؟.
كيف أتذكر الأمر أصلاً؟، وكيف أسمح له بالتأثير في قلبي، (لاحظي أننا هنا نتحدث للمرة الأولى عن القلب). ما أهمية الأمر أساساً؟. وما قيمته؟.
كنوع من أنواع العبث، فتحت صفحة بيضاء وبدأت الكتابة، كل الأفكار تطير، إلا هي.


وكنوع من أنواع الجنون، دخلت على صفحتها الإليكترونية، أتامل الصور، كيف أصبحت جميلة بهذا القدر، كيف أصبحت أحبها لهذا الحد؟.
هو، حب كامل، لأنني، مع عدم إخلاصي الكامل للحب، أدرك عنه أمرين، الأول، أنه وجع، والثاني، أنني لم أشعر به من قبل. وها أنا أشعر.
في قلبي وعقلي يقين كامل، أنها على علم بالمسألة كلها. هي تدبر الأمر، هي تصنع سحراً ما لتطاردني في الأحلام (أصبحت تأتي يومياً)..

أصبحت أعرف، أنني لو سألتها بشكل مباشر عما يحدث، سترد بما فيه الكفاية، هي تعرف ما يحدث.. هي تدبره.. هي تقف وراءه، هي تريدني هنا.. في هذه الحالة.. كما أنا.. ودون إنقاذ.

أنا موجوع، أسير، غاضب، عاجز، مقيد، أنا هنا.. وهي هناك. ومجرد تفكيري في تواصل مباشر معها هو التعريف العلمي للعبث، (لأمور تخص العمل وطبيعة العلاقة المهنية غير الطيبة بيننا)..

دعينا من كل هذا، وفكري معي..


ماذا يحدث؟
لماذا يحدث؟
كيف يحدث؟

فسري – إن استطعتِ – الأمر.. لعلنا نعرف سوياً أجوبة الأسئلة الثلاثة الأولى، عن الحب، الكتابة، الأحلام.. فننشرها، لتعم الفائدة، ويستفيد البشر.

مشمش
( لم يتم كتابة اسمه بناءً على طلبه)
........................................... 



إلى مشمش


لماذا قبلتَ الاشتراك في لعبة الرسائل دون أن تقرأ ما يكتبه الآخرون، 
دون أن تسألني عن شروط اللعبة؟
كأنني ألقيتُ أليكَ حبلًا كنت تنتظره
كأنك سمكةً تراقب هذه المركب العابرة وتبتسم للطعم

لماذا تكتب إليَّ رسالةً تشبه الرسائل التي يتبادلها المقربون
تخبرني عن أحلامك بامرأةٍ لا أعرفها وتطلب مني ان أخبز سحرًا يشفيك من الحنين
لا أعرفك ولا أعرف امرأتك
لكنَّك تبتعدُ عن كل ما تحبه أو هكذا تخبرك نداهة أحلامك

ماهي السعادة يا غريب؟
من أخبرك أنني أخبزها للعالم؟
هل تشبه نفسك حقًا؟
هل تنطبق صورتك في المرآه عليك؟

حينما تلعب مع ابنتك هل تتبادل الأماكن معها أحيانًا
الشغف الذي يأخذ الحواس والقلب معًا هل يتمشى داخل أيامك
أم أنك نسيته

في الحلم القادم ستخبرك عروسة البحر أن حياتك ستتعطل قريبًا
ستطلب منك أن تضغط على الرقم صفر كي تكرر المحاولة من جديد
لا تنسَ أن تخبر الطفل الذي نسيته داخلك أنك تحاول الاتصال به دون جدوى
لماذا تركتَ الحبيبة تمرُّ بكَ دون أن تخبرها
على الأقل كانت ستذهب إلى عالمها الجديد بابتسامة


أقابل الوحوش واحدًا بعد الآخر ومثل ماريو أضطر لإعادة كل شيء مرة اخرى
لكنني حينما وصلت
وجدت نفسي أقف أمام الأمير ولا أملك الكلام
بعد أن أنفقت عمري في اكتساب صوتي
فقدت الكلام على أعتاب جنتي

لا أعرف من أين يأتي الحب
لكنني أعرف كيف يموت، 
وكيف يذوب مع الوقت، 
وكيف يذوي داخل الكراسات دون أن يراه أحد.

لماذا تسألني عن أحلامك ؟
امرأة الأحلام لا تكف عن مطاردتك أيها الفارغ من هواء الاهتمام
أيها الخفيف الذي يملأ أيامها بالأسئلة
هل ترغب في خوض مغامرات صغيرة زهيدة التكاليف
يطاردك طائر الحب بعد أن امتلكت بيتًا وامرأة
يطاردك كي تهيم قليلًا في الخيال وتكسِّرُ قلب امرأة أو اثنتين في الطريق


كنتُ أتلصص على مدونتك كل يوم
أنتظر أن تضع نصًا جديدًا يبهجني
كنت أتابع كل ما تكتب منذ ثلاث سنوات تقريبًا
ثم ارسلت إليَّ رسالة دافئة تخبرني أنك تحب ما اكتب
ماذا كنت تريد مني يا غريب
أن أذهب لمقابلتك وأنا نصف أحبك تقريبًا
ثم أغادرك وأنا ممتلئة بالشغف والحزن معًا
ثم نخترع مجموعة مصادفات كي نلتقي مرة أخرى
ثم يصير الشوق جارحًا والألم حادًا
أمحو رقم موبايلك وأبكي كل يوم حتى يسيل الوجع خارج روحي
أشعر أنني ملعونة لأن كل من أحبهم ليس بإمكانهم إكمال الطريق معي
ثم
بعد وقتٍ طويل سيمرُّ
أُشفى من كل هذا

.
اخترتُ عدم الرد على رسالتك
كي أقمع كل هذا الخيال الذي تمشى داخل حياتي من قبل


كيف تختار أن تذهب خارج الحب دون مشقة؟
تبدأ مغامرة جديدة داخل رأسك المسكونة بالعمل
أحلامك لا علاقة لها بالحب الذي تتصور أنك تتعرف عليه الآن
أنت تتكسر من جفاف أرضك
تحتاج إلى أمطار المشاعر الصاخبة كي تهتز روحك من البهجة
لا يمكن ان أرسم لك خريطة للخلاص
لكنك بدأت فعلًا في الكتابة

الكتابة تبدأ من الرغبة في تجريب حيواتٍ أخرى

يمكن للفرح أن يدخل من شقوق الجدران
فقط لا تغلق عينيك باتجاهه


  ....
غادة خليفة

يونيو 2013



.....


painted by: CHARLES WILKIN




....

الاثنين، 29 أبريل 2013

صورة أبي / محمد عبد العزيز و غادة خليفة

.






من بين كل الصور التى أرى فيها صورة والدي تطالعني صورته وهو يقف مع أحد أطفال العائلة محتضناً إياه، يكاد يقبله أمام تورته، ويلتفُّ حوله أهل البيت للاحتفال بعيد ميلاد ذلك الطفل.

لم أكن أنا هذا الطفل، وهذا الأمر يسبب لي إزعاجًا شديدًا،
ألا أكون ابن والدي في الصورة.
مازالت أطلب من أحد الأقارب أن يمدني بصورة لي مع والدي يحتفظ بها.

بين يدي مقالة يتكلم فيها أحدهم عن كاميرا والده، ينفتح ذلك الأمر الذى يكاد بطول عشرتي له أن انساه،
لقد نسيت اننى ولدت يتيمًا وحرمت من بعض لحظات والدي التى مازلت لا أجد لها تعويضًا.

في أحد مرات العمل، قال لي مديري نصائح تشبه نصائح الآباء لصغر سني بالنسبة إليه استقبلتها بسعادة؛ لأنه أنهاها "هذه نصائح والد لابنه".


مازالت أتخيل صورته وهو يبكى بعد وفاة زوجته الأولى حبيبته،
التى أحببتها من حبه لها.
كان يوم الجمعة بالنسبة لي هو يوم البهجة، أن أرتدى أجمل الملابس
وأغادر المنزل فقط من أجل زيارة ماما الحاجة.

كان هذا اليوم يوم تفتح وبهجة، وبوابة للشعور بالذات في بداية طفولتي،
ومازالت أشعر برائحة هذا البيت،
رائحة عجين البقلاوة والجلاش التى تفوح من جنبات البيت،
يدها التى كانت تنطبع على الورقات المالية التى تعطيها لي،
وجه زوجة أبي الأبيض الحليبي، المختلف عن وجه أمي
في قربه لوجوه الشقر من سمرة الفلاحين التى تنتمى لها أمي، 
وانتميت لها أنا بعد ذلك.


مازلتُ أشعر أن عمودًا من الحنان قد غادر موقعه في حياتي بهذا الفقد،
أمنع نفسي من الاسترسال في هذا الشعور كلما حدثني صديق عن والده، لا أنتبه لحجم ما تركه برحيله في حياتي.


أتخيله طيب من أطيب من مروا بالعائلة،
عندما أشيخ سأصبح مثله، تمازحه أمي وتغنى له "اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني"،
يعمل بتجارة الحلويات، يلف بيده قطعة البقلاوة أو الكنافة.
لم أرث عنه مهنته ورثتُ عنه دمعته القريبة، وطيبته وقليلًا من كرمه ولامبالاته بالإدخار.

.....

محمد عبد العزيز



__________



إلى محمد



كانت تتكلم بصوتٍ هامس حينما أخبرتنا أنه لم يمت،
وسيأتي ليعيش معنا، شرط ألا نخبر أحدًا عن وجوده.
ثم بعد صمت قصير قالت: سيختفي بابا فورأن تكشفوا وجوده لأي شخص.


جاء أبي إلى البيت في منتصف الليل، فتح الباب ولم يوقظ أحدًا سواي،
عانقني، وأشار إلىَّ ألا أتكلم كي لا أوقظ إخوتي وأمي.
أمسك كفي الصغيرة، وذهب معي إلى الحجرة التي تغلقها أمي،
لمس الباب فقط فانفتح،
كانت الحجرة مرتبة ونور الشمس يغرقها مع أننا كنا في الليل
حينما هممتُ أن أسأله ضحك، ثم قال: هذا سر

في حديقة الحيوانات كان أبي يتبعنا بمسافة،
ويبتسم لنا كي لا نخاف من الحيوانات،
في المريلاند حينما وقعتُ وأنا أجري وتلطخ فستاني بالطين،
أخذ يصنع لي وجوهًا مضحكة؛ كي أكف عن البكاء، وأذهب لتنظيف ملابسي.

وحينما أخبرته أن صديقتي التي أكرهها في المدرسة انتحرت؛
ظل يحكي لي عن الملائكة التي تتنكر في هيئة أطفال،
ثم طلب مني أن أسامحها؛ كي تبتسم وهي في السماء.

أبي كان يسرح شعري حينما أبكي لأن أمي تشده بقوة،
يترك جزءًا من الشعر حرًا ويربط جزءًا آخر،
قبل أن يقبلني ويهمس " انتي حلوة أوي كدة ليه"

" فين بوسة بابا"
هكذا كان يصالحني حينما أغضب، أو أبكي بعد أن تضربني أمي.


حينما ذهبت إلى مركز شباب عابدين، ورسمت مجلة الحائط مع محمد،
لم أحكِ لأبي ما حدث هناك،
لكنه كان يفهم .
اشتري لي كراسة ملونة، وطلب مني أن أكتب عن ما حدث،
وحينما ذهبت إليه ليقرأه،
قال: سأقرأ حينما تمتليء الكراسة بالكتابة
وهكذا بدأتُ أكتب كل ما يحدث داخلي.

لم يكن أبي يغضب مني حينما أصرخ،
كان يستمع إليَّ وحينما أنتهي من الكلام يمشي،
لكنني كنت أبكي كثيرًا فكان يأتي ويحضنني فقط.



أقسمُ لكَ أيها الغريب أنني لم أخبر أحدًا عن أبي
لكنه اختفى منذ توقفتُ عن تأليف الحكايات
واللعب مع ظلال الشارع التي تتحرك على الحائط
لكنني لازلت أبكي
ربما يأتي
ويحضنني.


.......

غادة خليفة

إبريل 
2013













painted by: John M. Robinson