السبت، 6 سبتمبر 2014

إلى الحبيب الذي لا يقرأ الرسائل











إلى الحبيب:


اليوم أخبرتُ أختي أنَّك تتحرك بعيدًا عن مرمى بصري، لأنك تستطيع قراءة مشاعري بدقة، فتعرف مثلًا أنني أقترب منك دون أن أتحرك من مكاني، وتشاهد الخيوط التي تنمو فجأة في المسافة بيننا، وتكرر ضحكة واحدة بعينها كل مرة، كل مرة أحب ضحكتك أكثر.

أختي طلبت مني أن أسألك: لماذا لا تحبني؟ أو لماذا تتعمد الهرب مني؟ أو لماذا يحدث كل ما يحدث؟
بعد أن أصابني الوجع، فكرت أنني لا أستطيع أن ألوم أي شخص على عدم محبتة لي، المحبة تأتي أو لا تأتي إلينا، لم أخترها بالتأكيد، لو كنت أملك اختيارها لقررت أن أتركها وحدها واقفة في الشارع بجوارك.

لا أستطيع الحركة خارج أفكاري، أفكاري تخبرني أنَّ هذه المكالمة بلا فائدة، لقاؤنا نفسه سيصبح جارحًا في الدقيقة الثالثة، كل ما سأفكر به أنك لا تهتمُّ، وأنني أتيتُ كي أتسوَّل اهتمامك.



أختي تقول: ربما كان يحبك فعلًا....
وماذا لو أنه كان يحبني، هل سأطلب منه أن نحاول استعادة ما فات، سيخبرني عن المستقبل الذي ينتظره بعد شهرين على الأكثر.
ما يحدث في الأفلام لا يحدث داخل حياتي.


ليس بإمكان روحي أن تغطي روحه، أنا لا أشبه بطانية كبيرة وناعمة بإمكانها احتضانه بحب، أنا منديل صغير يرتجف من البرد.
لا أعرف ما هو مفتاح سعادته، ولا أعرف باب بهجته، وغالبًا سأتعثر بالسلمة الأولى في قلبه، تمامًا مثلما فعلتُ من قبل.
سأجلس معه وأفقد الكلام، وحينما يسألني عن سبب لقائنا سأرتبك، الوجع يسيل ممتزجًا بالحب، قدرتي على التنفس تخفت، سنتمشى معًا، وأنت تريد أن تمسك يدى، بينما أفكر في الهرب.
كنت أودُّ أن أقول: "لقد تغيرتُ، أنا الآن أفهم ما الذي أريده تمامًا، وأريده الآن". لكنني للأسف لا أفهم أي شيء، مشاعري نفسها التي تتحرك في وجودك، تختفي من حياتي بعد ذلك كانها لم تحدث أبدًا.... لا أفهمها، ولا أفهم لماذا أعود إليك كلما تكسّر العالم فوق رأسي.


أريد أن أشفِي روحَك من الضياع، لكنني لا أعرف دواءك، لا أعرف ما هي المقادير الصحيحة لصناعة سعادة تليق بك، أقول لنفسي: لديه امرأة تحبه، إذا لم تعرف هي كيف تجعله يبرق؛ فبالتأكيد لن أتمكن أنا من ذلك. ربما دواءه خارج الحب، ربما ترياقه داخل السفر أوالتأمل أوالكتابة.

في أحلامي أشاهدنا معًا، لكننا لا نمشي باتجاه نهاية سعيدة أبدًا – نعم مازلتُ أتصور أن هناك نهايات سعيدة يا حبيبي_
سنتشاجر بعد إسبوعٍ على الأكثر، حياتي لا تشبه حياتك، وأصدقاؤك مخيفون، لا أفهم كلامك بالكامل، والطريقة التي تسخر بها من العالم غريبة لدرجة أنني أتألم وأخاف، الدخول في نقاش طويل معك لن يجعلنا نصل إلى أي مكان، بالنسبة إليك، أنا امرأة ساذجة بأفكار محفوظة، ومصابة بأمراض المجتمع إلى درجة قاتلة.
وبالنسبة لي، أنت تضيّعُ نفسَك بانتظام.


أضحك من الحياة التي ربطت قلبي بيد رجل لم أعرفه جيدًا، ولا أستطيع الاستمرار في الكلام معه دون أن تربكني رغباتي.
أريد ان اتكلم معك، أريد ان احضنك ثم أتكلم معك، واعرف انَّ حكايتنا معًا لن تذهب إلى أي مكان، آمل في نسيانك فقط، لكنّني لا أضمن نفسي ابدًا، غالبًا سأستعيد كل مشاعري مرة أخرى؛ لذلك أنا أقف في مكان بعيد، وأكتفي بالكتابة فقط.


........
غادة خليفة
2014


.



.




painted by: antonio mignozzi
.......

الاثنين، 28 يوليو 2014

كلنا في السجن - عن مسلسل سجن النسا






"كان يوم إسود يوم ما شفته"
هكذا كتبت صديقتي "مايفل" على الفيس بوك تعليقًا على التطور الدرامي لمسلسل سجن النسا. كان بإمكانها أن تتوقف عن مشاهدته، لكنها رغم الألم تجد نفسها هناك معهن داخل السجن.

في المشهد الذي لا تجد فيه (شفيقة/زينات) علاجًا للكلى أجد الدموع تتدفق من عيني، فأخبر نفسي أنه مجرد مسلسل فقط، وأنها ممثلة ربما تذهب إلى الرقص بعد أداء هذا المشهد.
في لقطة متكررة تنادي السجانة على الوارد الجديد أو السجينات المستجدات، فأنتظر أن تنادي اسمي معهم، أنا معهم حتى ولو لم يمر اسمي من هناك.



أنا غالية التي تعمل في مهنة لا تناسب روحها، وتصدق الأفلام التي أخبرَتها/أخبرتني أن الحب هو غاية الحياة، وأن المرأة التي تحب تكون دائمًا على استعداد لأن تضحي بكل شيء لأجل حبيبها.
ما الذي كان بإمكانه إنقاذ غالية من السيناريو التعس الذي وجدت نفسها داخله؟

ربما كان عليها أن تختار نفسها، نفسها فقط وأحلامها دون الالتفات لنصائح أبلة إحسان أو لصابر الذي يخبرها أن عليها أن تدفع ثمن الحب.
غالية لا تعتقد أنها جميلة، أو أن بإمكان أحد أن يحبها، تشعر بالامتنان لمحبة صابر، صابر الحبيب الذي يصغرها في السن، ويشعرها دائمًا أنه يضحي باختيارات أكثر جمالًا ومتعة كي يكون معها فقط.
غالية لا تصدق مشاعرها مع أنها أخبرتها أن نوراة تغار، مثلي تمامًا حينما أحتاج إلى وجود آخرين ولا أجد أحدًا سوى أصدقاء أتألم وأنا معهم.



أما حياة فتجعلني أفكر كثيرًا في كل ما حدث لها قبل أن نقابلها على الشاشة، كانت طفلة في بيت يمتليء بالكثيرين، يحدث أن تجلس على رِجل عمو، ولأنها خجولة فهي لا تعرف ما الذي يفعله عمو معها تحديدًا، عمو تنفتح عيناه على اتساعهما بعد كل مرة وهو يقول لها: "هدبحك لو قلتي لحد".

حياة اختارت أن تنسى هذا الجزء بالكامل، ولم تعرف لماذا كانت تتلعثم حينما يخبرها ابن الجيران أنها جميلة.
في الشارع لا تستطيع أقدامها أن تحملها، ترتجف من الخوف؛ لأن أحدهم تحرش بها، ليس مسموحًا أن تخبر أمها عن هذا أيضًا.
أصبحت تكلم نفسها، نفسها التي تخبرها أن تخاف أكثر لأن غولًا كبيرًا ينتظرها على بعد خطوات.

تزوجت حياة مثلما يتزوجن جميعًا، ومثلما سأتزوج أنا أيضًا؛ لأننا يجب أن نتزوج ... فقط. زوجها يريد منها أن تخدم في البيت، وأن ترعى الأولاد، وأن تذهب معه إلى السرير آخر الليل، مقابل أن يصرف عليها، هذا هو كل ما يمنحها إياه ... النقود.
هل استمع لمخاوفها يومًا، هل حاول أن يجعلها آمنة وسعيدة.. ربما لم يحدث.
لكنه لو جاء إلى هنا لصرخ بي: أعمل لمدة 12 ساعة كي يظل هذا البيت مفتوحًا، ما الذي تتوقعينه منى بعد 12 ساعة من العمل المتواصل؟




رضا طفلة عنيدة تتذمر ضد خدمة البيوت، وضد أن يهينيها أحد، أو يسخر منها، تشبهني في أول عمل لي، كنت لا أقبل الملاحظات، وكنت أبكي بعد أن يمشي الجميع ويتركونني وحدي أمام جهاز الكمبيوتر أحاول إنهاء العمل.
مثل رضا كنت أكتم الألم، ولم أخبرهم أبدًا أنني أكرهم، وأنهم لا يستحقون النجاح؛ لكنني كنت أفرح قليلًا بالنقود آخر الشهر، لم تكن حياتي مربوطة مع إخوة جائعين ينتظرون مني أن أمنحهم حياة أفضل.
كان بإمكانها أن تنجو لو هربت ، أو لو ذهبت إلى أي مكان لتتعلم، كان بإمكانها أن تنجو لو كان لها صديقة تشاركها الوجع وتهون عليها الحياة.



(شفيقة / زينات) تحب الحياة رغم كل شيء، وتحاول أن تفرح، تحاول دائمًا حتى وهي تموت بكلية مريضة. وجدت قلبي هناك ولا أعرف كيف استطاعت هذه الممثلة التي أراها للمرة الأولى أن تجعلني أصدقها.
زينات تسكن في حجرة تشبه القبر وتمارس الجنس التجاري كي تعيش.
ولا يمكننا سوى أن نخجل من أنفسنا أمام فقرها وألمها.



   نشاهد المسلسل ونجد أنفسنا داخل السجن لأننا مسجونين أيضًا، ولأننا مسئولين عن كل هذا الظلم الذي نعرف أنه أشد قسوة وألمًا في الواقع.
نعرف أن السجن الحقيقيى لا تدخله الشمس هكذا وأن المسجونات لا يجدن أماكن تناسبهن. في السجن الحقيقي يندر أن تجد البهجة أي بهجة على الإطلاق.


...............



الثلاثاء، 6 مايو 2014

أنسي االحاج ونوافذُه المضاءة بعد الغياب العام

.


.





لا أعتقد أن الشعراء يموتون أبدًا، الشعر يحتفظ بأرواحهم داخل العالم، ولا يسمح لنا بالنسيان. كنت أتابع مقالات أنسي الحاج في الأخبار بانتظام وأجد ما يكتبه هناك قريبًا إلى قلبي ومدهشًا أيضًا.
في مقال أنسي الحاج المنشور في جريدة الأخبار بتاريخ السبت 28 ديسمبر 2013 ( ملامح امرأة صاعدة) وجدت نفسي بين سطوره، وفكرت كيف يمكن لشاعر لم يعرفني أبدًا أن يأتِ بي إلى سطوره بكل هذه الدقة.

"بخل العواطف يُقوّي. إنّه فولاذ الروح، ترْس القلب. لا شيء يخترق هذا الحاجز. لا الحاجة ولا الحبّ. قد تخترقه الشفقة لحظة وسرعان ما يهبّ النسيان"

رهاني على الشعر يكمن في قوة اتصالة بالآخرين، وفي قدرته الفائقة على رصد دواخلنا ومشاعرنا، وكل ما نخفيه حتى عن أنفسنا.
هذا الكشف عن كل ما يجب إخفاؤه يحررني من الضياع داخل وحدة عميقة، ويهمس لي أن هناك امرأة أخرى بصمتها تشبه قلبي، مرت من هذا العالم، وتركت أثرًا داخل شاعر استطاع أن يكتبها في كلمات تتماس معي.

حينما أقرأ أشعار أنسي الحاج – أغلب ما قرأته من المواقع الإلكترونية- ألتقط مقاطع صغيرة تعجبني، مثلما أفعل مع كل الكتب والدواوين التي أقرأها. أبحث عن نفسي داخل كتابات الآخرين وأفرح كلما وجدتني هناك.

"الشمس تشرق في جسدكِ
وأنتِ بردانة
لأن الشمس تَحرق
وكلّ ما يَحرق هو بارد من فرط القوّة"

في الشعر لا أطارد المعني داخل النص، النص الذي يشتبك بمشاعري فقط هو الذي يجبرني على الاحتفاظ به داخلي.  أشعار أنسي الحاج تتصل بي في بساطة مدهشة، وتصنع حوارها الخاص معي، وتخبرني عن أشياء أعرفها جيدًا، ولم أتمكن أبدًا في صبها داخل الكلمات.

"من كان يعرفك فغدًا لن يعرفك
ستُصبحين أُمّاً لجميع الأشياء وبهدوء تتَّجهين نحو
جسدك"

تشتبكُ بي كلمات أنسي الحاج، وأتذكر ما أعرفه عن بصيرة الشعراء، وطريقتهم في اختراق أعماق الآخرين، والدفع بها إلى سطح الورقة، عبر كلمات تحتاج إلى قاريء يستطيع أن يتجاوب مع لحنها الخاص.

"أعجز عن حماية نفسي من أحلامك. أعرفك قليلاً
أيّتها القارئة الجميلة، أنت خليلتي وأُختي. أعرف قليلاً
كيف تُمسكين الكلمات من خصرها، وتعصرين،
تعصرين"

سحر الكتابة بلا شطآن، فكما يعرف أنسي الحاج كيف يتسلل إلى أعماقنا، فإنه يتنبأ بقدومنا إلى عالمه الخاص وإلى كل ما ترك لنا من أشعار ومقالات وكتابات حية ستظل تخاطبنا، وتعيد صياغة علاقتنا بالعالم دائمًا.
.........

غادة خليفة

2014



...
نشرت بمجلة الشعر
ربيع2014


...

الأربعاء، 30 أبريل 2014

إلى ضوي









تسألني حفيدتي الآن أو في زمن آخر:

-  "ماذا كنت تفعلين يا جدتي حين كان يتم إعدام المئات ببساطة، وأنتم على وشك الدخول إلى حكم عسكري آخر، ماذا كنت تفعلين في أيام كانت الحركة فيها داخل الشارع خطرة، وليس من المستبعد أن تنتهي حياتك برصاصة طائشة أو في أقسام الشرطة تحت التعذيب؟"

-   كنت أكتب الرسائل المزيفة إلى أصدقائي، وأنشرها على المدونة وبعد أن أنتهي من غسيل الصحون أبتسم لأن اليوم مرَّ دون خسائر.


لماذا أكتب إليك رسالة مزيفة يا صديقي، وأنا أتبادل معك رسائل حقيقية، يمكنني اقتطاع أجزاء منها ونشرها هنا.
لا أرغب في صنع مفاجأة صغيرة لك- مثلما كانت رسالتك بالنسبة إليَّ-، إنني فقط أتحايل على الكتابة التي لم تعد تأتي، أقول لها تعالي ولن أطلب منك أكثر مما تودين منحه حقًا.



كنتُ أقف بجوار الباب ريثما تنتهي أختي من البحث عن المفاتيح، ورد كانت تمسك يدى اليسرى ويدي اليمني تمسك الباب، عيناي مع أختي تبحث وتراقب البحث، قلبي داخل يدي اليسرى التي تتمسك بورد.
ورد ترغب في الإفلات بنعومة، وأنا أحتفظ بيدها معي بلطف، تبدأ في الدوران حولي، تمد ذراعها وتضحك وهي تتحرك خلفي وأمامي وتأخذ عيوني معها، تتحرك مثل "البرجل" حول نقطة ارتكاز هي يدها الصغيرة المحضونة بيدي ، تفرح باللعبة ثم تضحك.
تضحك فيمكن لقلبك أن يمتليء بالورود، ليس قلب الخالة أو الأم بل القلب الذي يمر بالصدفة بجوار هذه الضحكة المبهجة الصافية.
في البداية فرحت معها ووصلني إحساس غامر بالرضا لأنها معي تضحك، وأنا أحبُّ أن تضحك، في اللحظة التالية جال بخاطري أن الجيران سيلتقطون صوت ضحكتها وربما يحسدونها.

هنا وجدَتْ أختي المفاتيح، خرجَتْ وأخذت ورد بعد أن أغلقنا الباب، بعد درجتين على السلم وقعت ورد وارتطمت رأسها الصغيرة بحافة السلم، أختي جلست على السلم تحتضنُها ووجها يكاد يخلو من الدم، ثم حاولت أن تتفقد جسدها لتتأكد من سلامتها، ورد تبكي وتصرخ بحرقة ووجع، ثم بدأت تنسى الوجع وتهدأ. أظن أن هناك خيطًا يربط بين وقوعها على السلم وضحكتها الجميلة العالية.


لا أريد أن أصبح امرأة خائفة، لا تتحمل أن ترى الجمال دون أن تربطه بسرعة بالفقد.
سأحرمها من جمالها كي لا يخطفها اللصوص أو تؤذيها عيون الحاسدين. سأنسى يا ضوي، مع الوقت سأنسى أن لورد ضحكة جميلة تُنعش، وكل ما سيتبقى لي هو الإحساس بالخطر. سأتحول إلى نسخة من أمي التي يحول عقلها الجمال إلى وجع محتمل وفقد سيحدث حتمًا.


رسالتك لم تعثر عليَّ، أخطأتني وذهبت إلى امرأة أخرى ليست أنا، المرأة نفسها التي قرأت الرسالة وتنهدت "ياليتني غادة"، راقبي أحلامك يا عزيزتي، غادة مثلك تمامًا تفكر أنها تود لو كانت "غادة الرسالة" أيضًا.
الملاكة التي تجلس وديعة داخل جمالها الخاص لا تشبه ما أعرفه عن نفسي، ولا تتماس مع كل الخيال الذي يحوِّم حول صورتي، ربما وددتُ لو كنت إلاهة لكن مشاعري تكسرت على حافة العجز.
الخيال الأول يرتطم بهالة ما لم أرها ولا لمرة واحدة، والخيال الثاني يلمس الوجع الذي يتخفى في اليأس. لا أصدق الجمال الذي يطفو ولا الوجع الذي يليه في تعاقب سريع، لكنني أريد أن ألتقط صورة حية لما أراه داخل نفسي ولا تلتقطه عيون الآخرين.


1

في أحد الأيام كنت أعرف بحرًا، أحضر لي البحرسمكة خزفية في عيد ميلادي، قام بلفها جيدًا بالجرائد ثم أخفاها داخل كيس أسود طواه بعناية حولها عدة مرات، لم يتحدث معي، لم يقل كل سنةوأنتِ طيبة، فقط أهداني السمكة التي صنعها لأجلي ومضي.
كنت صغيرة جدًا لدرجة أنني لم أتصور أن الحب الذي أبحث عنه يمكنه أن يتنكر في هيئة سمكة خزفية صغيرة لا تنطق.


2

الرجل كان يقف داخل القاعة المزدحمة، الناس يتحدثون عن ضرورة التخلص منه ولم يكتشفوا وجوده بينهم. أعرفه وأراقبه وهو يمسك المقص ويبدأ في قص شعره كي يتخفى. يقترب مني ويقف خلفي تمامًا ويبدأ في قص أطراف شعري، وكل ما أفكربه أنني أحب القصة الأخيرة لشعري ولا أرغب في إفسادها.
الرجل يواجهني بلا مقصات ويبدأ في تقبيل أطراف شعري بعد أن يلمسها في حنان، أذهب معه خارج الغرفة ثم يتوه مني في الطريق، لا أبحث عنه أبدًا، أخبر نفسي أنه سيعرف كيف يعثر عليَّ، ثم أتوقف وأنا أفكر أنه أعمي وربما لا يجدني، أكمل المشى وأنا متأكدة أنه سيجد طريقة ما ليكون معي.


3

أقرأ مذكرات فلليني وأقوم بثني أطراف الأوراق التي أحببتها، أنتقي ما أعرفه جيدًا واختبرته داخل نفسي، أما كل هذه الأوراق الممتلئة بكلمات لا أتعرف عليها فإنها تمر ببساطة، مثلما تمر الأتوبيسات التي لن أركبها.

يقول فيللني متحدثًا عن بطلة فيلم ليالي كابيريا: " كل ما تسعى إليه هو الحب، لكن البحث عن الحب لا يضمن العثور عليه، كما أن منح الحب لا يضمن تلقيه، إن كل شيء في الخارج يخذل هذه المرأة، وفي النهاية يتوجب عليها أن تجد أي خلاص داخلي ممكن".




.......
غادة خليفة
2014

.......
لقراءة الرسالة الأولى إلى ضوي

............


painted by: Afrin sajedi



....

الأحد، 27 أبريل 2014

أكتب كي يخفَّ ورني قليلًا



.

.

صديقتي تضع فكرة الحب على المائدة بمجرد أن تصل، الكلام عن السفر والكتابة سينتهي بعد أن تشرب النسكافية وتخبرني أن عليَّ أن أجد حبيبًا واحدًا على الأقل
ثم بعد نظرة واحدة لعيني التي تلمع تخبرني: " لقد أحببتِ، أنا متأكدة، أنا أعرف هذا البريق جيدًا".
كلامها لا يقبل المناقشة ولا تنتظرني كي أخبرها بما يحدث، في آخر الحوار تتننهد وهي تشعر بالإحباط لأنني/ لأنها لم تحب.

ماذا لو قررت أن أضيع دون حبيب، على أيه حال لن يفتقدني أحد.


أريد أن أضغط زرًا ما فيتوقف العالم، أريد أن أبكي مع أنني لا أشكو من انقطاع الكهرباء، أو من رائحة الهواء الملوث باحتراق الأرز، أو من الموت الذي ينتظرني في الشارع دون أسباب.
أمرُّ بجوار كل شيء بدروع كاملة أغير ألوانها باستمرار، صديقي يخبرني كم أنا قوية، دروعي تعمل، أنا قوية دون دروع، أحتاجها كي أئتنس فقط، القوة لا تنقذني من حياتي، تبرق فقط كي تُخفي كل هذا الضعف.
الأفكار تتدفق بالقصور الذاتي كي أنسى أنني أقاوم رغبة حقيقية في الموت.


ثقيلة على قدميَّ، أفكر أن أصابعي تكتب لي رسالة شكوى من كل هذه الكيلوجرامات الزائدة ولا تنسى أن تخبرني بأنين ركبتي الصامتة دائمًا.
أكتب إلى قدميَّ رسالة اعتذار، وأعدُها بحسن التصرف، مع أن الاكتئاب لا يترك لي حلولًا أخرى، أكتب كلمة الاكتئاب ولا أقصد سوى هذه الدموع وهذا الإحساس العارم بخيبة الأمل وهذه الفتافيت المتناثرة التي أتحول إليها كل يوم دون سبب.

أكتب كي يخفَّ وزني قليلًا؛ لكنني لا أصل إلى الطيران أبدًا، الانفعالات التي تغزل الكلمات وتحولها إلى سيرك حي أصبحت بعيدة جدًا، أنتظر انفجار جهاز الكمبيوتر حينما تأتي الكهرباء وأخبر نفسي أنني فقط أحتاج إلى النوم كي يمرَّ كل هذا الأسى.

أشبه التليفزيون القديم، لا أستطيع التعامل مع كل هذه التقنيات الحديثة ولا أحسن فهم الألوان، العالم بسيط ومتدرج من الأبيض الشفاف إلى الأسود الثقيل، وليس بإمكاني فهم كل التعقيدات التي يجب عليَّ أن أفك شفرتها، طبيعتي ليست مناسبة للألعاب الإلكترونية، كل هذا التعقيد داخل صندوق الرسائل لا يناسبني.

الشغف المصنوع خارج الحب يشبه الحب، لكنَّ صلاحيته تنتهي فور أن يبدأ، ولا يمكن للخيال أن يمنحه عمرًا أطول، يشبه البرق الذي يخبو فور أن يستسيقظ.
أحاول صناعة الحب خارج الحب، أخترع مساحات أخري لا يلتفت إليها أحد، ليست محفورة داخل كهف الوحدة كما تظن أختي وليست تحت شمس الآخرين بالكامل.

لم أنجح بعد في زراعة أرض صغيرة لي، أتفاجأ بأنني لا أجد مكانًا لي -كل مرة- مع أنني أحاول بقوة ودأب.

....

الجمعة، 18 أبريل 2014

إبراهيم - كارمن دورادو بيديا / ترجمة: أمل دسوقي


.



.
"فَلَبِثَ أَيْضًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَادَ فَأَرْسَلَ الْحَمَامَةَ مِنَ الْفُلْكِ، 11فَأَتَتْ إِلَيْهِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا"..
سفر التكوين 10:8



 إلى: أطفال العرب






فى هذا اليوم امتلأت ردهة المستشفى بالمارة، الذين يتحركون في اتجاهات مختلفة، تمتلىء الممرات عن آخرها بالنقالات، تعلو أصوات عربات الإسعاف والجرحى، جرحى كثيرون، تكاد لاتمر دقيقة دون سماع صُراخ مريض. ثم سرعان ما حلّ الظلام.

تهتز الحوائط إثر انفجارات القنابل، إبراهيم -على عكس الجميع- لايفكرإلا في الحمامة، ينظر بفضول إلى حركة الأطباء السريعة، ثم يُخرج رأسه ليتفقد شيئًا ما، لكنَّ أحد المُمرضين قاطعَه وأغلق الباب فجأة.
لا يحب إبراهيم هؤلاء الناس، فهم يثيرون غضبه الشديد، وبينما يتكلم والده مع الطبيب، كان الطفل يراقب الحركات السريعة لعربات نقل المرضى، كانت الأرض تتحرك من تحته حتى أصبح كل نفس يخرج منه يجعل رئتيه تضيق أكثر، الوميض المتقطع المُنبعث من أحد المصابيح ، يُعلن عن قُرب توقف المولد الكهربائى.


كانت ظهيره يوم من أيام الصيف، حيث تغفو العائلة وقت القيلولة، وبينما إبراهيم منشغلاً بألعابه، رأى طائرًا يرسم دوائر فى الهواء قبل أن يحطَّ على شجره زيتون : عيون سوداء محاطةٌ بإطارٍ أصفراللون، تراقب إبراهيم من أعلى الشجرة، اقترب الطفل ليلعب مع الطائر، فاكتشف أنها حمامة ذات ريش ناعم غزيروذيلٍ مضموم، بينما يرتفع عنقها لأعلى. ظنَّ الطفل أنها عطشى فأحضر لها الماء، وما أن فرغ الإناء حتى بدأت الطيران من جديد عكس اتجاه الضوء، إلى أن اختفت تماما فى الأفق.
ظلَّ الصغير متأثرًا وظنَّ أنه رأى ملاكًا، فأخذ يجري مُسرعًا ليخبر والديه بما حدث.


فى تلك الليلة، بينما يحلم صعد فوق أسطح القريه، وبينما يداعب النسيم وجهه، شاهد حقول القمح والكروم والزيتون والبحر والصيادين، كما رأى أيضًا والديهِ على الشاطىء، وأطفالًا آخرين مثله تمامًا يلعبون مع السُحب.
 فى اليوم التالى، وبينما يتناول الإفطار فى باحة المنزل، تحت شمس مُغطاة بالسُحب، ظهرت الحمامة مرة أخرى، مع أنها كانت تبدو تائهة هذه المرة.  
بعد دقائق مرَّت كالساعات بالنسبة لإبراهيم، عاد الطائرإلى الشجره التى وُضع عليها الماء في ظهيره اليوم السابق، نهض الأب وابنه فوجدا أنها تشبه الحمامة الأخرى تمامًا، غيرأنَّ جناحها مكسور، قاما بمعالجتها سويًا، وبنيا لها عُشًا خاصًا باتجاه الشرق، حتى تكون بمعزل عن الرياح والأمطار، إذ بدا لهما أنها تحتاج إلى رعاية وعناية خاصة. كان العُش أبيض مثلما أراد الطفل، أثارت هذه الحادثة اهتمام أبناء القريه وحسد زملاء الطفل فى المدرسه، فكانوا جميعهم يريدون زيارته ومشاركته في أعمال النظافة والاهتمام بالحمامة.


قبل أن تتمكن الحمامة من الطيران مرة أخرى، كان يجب عليها أن تنتظر طويلًا. فى البدء كانت تحلق على مسافة قصيرة فى المكان ذاته، ثم بدأت تطيرإلى أعلى بالتدريج، إلى أن اختفت تمامًا خلال بضع ساعات، وكانت تعود دائمًا وقت الغروب.
حينما صار القمربدرًا، نام إبراهيم قبل أن تعود الحمامة وفى أحلامه رأى صقرًا بمخالب كبيره يطارد الحمامة، لكنها تمكنت من الهرب فى النهايه.
استيقظ إبراهيم على دويّ الانفجارات التى اندلعت في القريه دون سابق إنذار، لم تمنحهم الانفجارت المُفاجئة الوقت كي يذهبوا إلى أي مخبأ، سقط جدارالفناء فوق رؤسهم، إلا أنهم استطاعوا إنقاذ الطفل والحمامة.


أعلنت صفارات الإنذار فى المستشفى عن هجومٍ جديد، مما أثار غضب إبراهيم مرة أخرى، استمع إلى صرخات الألم، ثم بدأ يرتجف، ولم يعد الهواء قادرًا على الدخول إلى رئتيه.
 فى نهايه الممر يجلس والده مع شخصٍ آخر، اقتربا منه محاولين اللحاق به لكنه سقط قبل وصولهما، شعرالطفل بيد الطبيب فوق رأسه، كما لاحظ أيضًا ثقل وصعوبه تنفسه.  
بسرعه... اوكسجين !احتضنه الطبيب مُجتازًا متاهه المرضى والضمادات وأكياس من الملابس والنفايات والحوائط المتسخه ذات الرائحة الكريهة.
دخلوا إلى غرفة مضيئة، يتوسطها سرير، وضعوا له الكمامة ، بحث الطفل عن والده وطائره فلم يجدهما.


قاموا بفعل كل ما يلزم لإنقاذ الطفل، وعلى الرغم من أنه كان مُدثرًا بعناية ، إلا أنه كان يرتجف بشكل ملحوظ .
اقتربَتْ منه امراة، وأمسكت بيده. الضوء بدأ يخفت مثل يوم غائم، وما إن لمح طيف الحمامة، حتى خلد إلى النوم مُحاطًا بأجنحهٍ كبيرة ، كان حلمًا جميلًا، وللمرة الأولى تُرتسم ابتسامة على وجهه.

.........


 كارمن دورادو  بيديا

ترجمتها عن الأسبانية: أمل دسوقي
القصة من كتاب: على خطى شهرزاد

..........


كارمن دورادو بيديا 
ولدت فى مدريد (إسبانيا) حيث تقيم وتعمل .درست فى جامعه "أوتونما" بمدريد . 
اهتمامها بالعالم العربى جعلها تسافر الى جميع انحاء الشرق الاوسط ودراسه تاريخه وأدبه والتعرف على ثقافته فى مختلف المؤسسات.
على خطى شهرزاد Tras las huellas de Sherezade"" هو اول كتاب صدر لها منفردًا.


...........
painted by: picasso





.....

السبت، 5 أبريل 2014

آسفي - القاهرة

.




.

"داخل الفندق على كرسي مواجه للشمس أجلس في انتظار الطعام، فراشة خضراء تلعب معي، وتخبرني أن أحدهم يفكر بي الآن، لونه الخاص يشبه هذا الأخضر الفاتح الذي يلون المحيط والسماء".

هذا المشهد يصلح كاستعارة مناسبة لرحلة غريبة وممتعة إلى المغرب، بدأت الحكاية برسالة على الفيسبوك تخبرني باختياري للمشاركة في المؤتمر الدولي للشعر في آسفي، ضمن مجموعة من الشعراء المصريين، المشكلة الأولى التي واجهتني كانت في تكاليف تذاكر الطيران التي يجب أن أتحملها.
بمساعدة الأصدقاء تمكنت من التواصل مع مؤسسة أضف، وأرسلت لبرنامج أضف جيران المخصص لدعم سفر الفنانين، وتمت الموافقة على طلبي، وقامت مؤسسة أضف بتغطية تكاليف تذاكر الطيران إلى المغرب .


وصلت إلى آسفي قبل ميعاد المهرجان بيومين، في الشارع المشمس كنت أملأ عينيَّ بالسماء والناس، أتناول الشاي بالليمون على المقهى وأترك أفكاري تتحرك كيفما شاءت.
الشجرة التي أجلس تحتها تمتلك نتوءات ناعمة تشبه الشيكولاتة بالبندق، والشجرة الأخرى عالية جدًا ومتصلبة، تشبه طفلًا مُعاقبًا يقف أمام السبورة ويرفع يديه إلى أعلى.
آسفي مدينة تشبه الإسكندرية، السماء تلمس البحر، البحر يموج برائحة القرنفل وأم الخلول معًا، الناس في الشارع يشبهوننا، يمتلكون نفس الملامح تقريبًا ولهجة لا أفهمها إلا إذا رغبوا في إفهامي ما يقولون.

أحدهم يكتب لي إهداءً طويلًا مُضفرًا بكلمات ناعمة عن الصدف التي لا تتكرر، وعن الملكات اللاتي يأتين من مصر إلى بلاده الملونة. يبتسم وتشرق أسنانه بالكامل، لكنه لا يسمح لكفي بأن يرتاح أكثر من ثانيتين تلزمان لالتقاط صورة واحدة لنا معًا، يضع لقبًا قبل اسمي، ثم يصافحني ويغرق في الظلام.

لا أبحث عن مغامرة عابرة داخل بلاد تخترع صيفًا وشتاءً في اليوم ذاته، ولا أسترق الحب داخل بلادٍ لا يعرفني فيها احد. خمس ساعات وهو يخبرني عن البنات اللاتي يتركن دراستهن، وعن المدارس التي تحتاج إلى درَّاجات وأصدقاء، لهجتي تتحول إلى صورٍ ملونة يمكنها اختصار الوقت، لكنها مع ذلك لا تمكنني من اكتشاف مخاوفه ذلك الجميل الذي سيختفي فجأة، دون نظرة طويلة أو حضن.


النساء في المغرب مبهجات، يضحكن في الشارع بصوتٍ عالٍ، ويمكن ملاحظة ابتسامتهن في الطريق، كنت أريد أن أكون وسط حلقة واسعة من نساء يثرثرن ويتحدثن عن حياتهن ببساطة لكنني لم أتمكن من ذلك، ربما في زيارة أخرى سأجد ما أبحث عنه.

صفية عز الدين شاعرة أمازيغية من مكان جبلي وبعيد اسمه ورزازات، تتكلم بلهجة أفهمها وتسألني بلطف: انتي فيه حد في قلبك؟ وحينما أخبرها أنني بلا قلب تضحك وتهديني ديوانها المترجم إلى العربية.
صفية تقرأني دون كلام، تربت عليَّ وأنا غارقة في الرعب قبل صعودي على المسرح، ودون أن أتكلم تقول لي: متخافيش كله هيبقى كويس.
أعرف أنني أعرف صفية من قبل، بصمة روحها تشبه امرأة لا أذكر اسمها أو ملامحها لكنني أطمئن إليها وأفرح بوجودها معي.


جميلة أبيطار شاعرة فرنسية من أصول مغربية، طلبت مني الانضام لمائدة الوفد الفرنسي بدلًا من تناول الطعام بمفردي، الكلمات القليلة التي تعرفها بالعربية ساعدتها على معرفة اسمي وبلادي ولم تسعفها لقراءة ما أكتبه للأسف، لكننا بكلمات عامية بسيطة وببعض الإنجليزية وعالم كامل من الإشارات استطعنا أن نتفاهم معًا.
لا أحد يعرف ما هو باب الونس الذي ينتظره في البلاد البعيدة، جميلة كانت الونس الأجمل والأكثر دفئًا خلال عشرة أيام مزدحمين بالآخرين.

أذهب متأخرة إلى النوم،
لكنني أتعثر في ورقة بيضاء
تضم قلبًا كبيرًا وكلمتين: "ليلة طيبة يا أختي"

يارب
لماذا تجمعني بنساء يفهمن روحي؟
لماذا تقودني إلى البراح بخطة لا أفهمها؟
هذه الجميلة التي أصبحت أختي، كيف سأتركها لباريس وحدها؟
لا أفهم كلامها ولا تفهم كلامي، مع ذلك نتصل جيدًا
امنحها الجمال الذي يشبه ابتسامتها، وازرع داخلها الأمل
تمامًا مثلما فعلتَ معي

يارب
أريدها أن ترقص داخل الفرح
وأريد أن تجمعنا معًا في براح يشبهننا

يارب
لماذا أتقاطع مع امرأة كان من الممكن أن أكونها في حياة أخرى؟


أبكي من الإنهاك الشديد والامتلاء بمشاعرلا أفهمها، جميلة لا تربّت عليَّ ولا تقاطع كل هذا التدفق، تجلس على السرير المقابل وتحدثني عن الشعر الذي يختلط بالحياة مثل اختلاط الدقيق بالماء، تخبرني بتفاصيل صغيرة عن حياتها تجعل الإضاءة تكتمل؛ كي أرى ما هو امامي دون ظلال.


الجدران والبيوت ملونة بنظام خاص يجعلني أكتم صرخة مبتهجة، وأتصور أحد أبطال رسوم الكارتون وهو يلون البيوت التي ستبدو مثل المكعبات الصغيرة أمامه.
الأخضر يتنوع بدرجات كثيرة، ويختلط بالأصفر والبني المائل للاحمرار، كل ما أفكر به أنني أريد ارتداء فستان ملون بالأرض والسماء والورود؛ كي أمشي داخل الجبل دون أن يلحظني أحد.

أحلم بأختي وابنتها، وأشعر بالأسى لأنني أمتلك ذاكرة ومشاعر ستمنعني من مغادرة بلادي، والعيش هنا داخل كل هذا الجمال.
أشتاق إلى أمي وإخوتي، أشتاق إلى كل ما يؤلم في بلادي، وأفتقد الجامع المواجه للبيت والغروب الذي يغير مشاعري كل يوم.




....

السبت، 22 فبراير 2014

حديقة نون

.



منذ أن بدأت الكتابة في المدونة وأنا أفرح كلما كتَبتْ أمنا الغولة، أحب نصوصها التي لا تحتوي على أي شيء سوى رغبتها في التواصل والكلام مع الجميع.
في أحد الأيام التي أجلس فيها على الفيس بوك أفكر أنني أحتاج إلى عمل آخر كي تتحسن حياتي، وجدت صديقة قديمة تخبرني أنها رشحتني للكتابة في نون.
كانت صديقة قريبة جدًا ولأسباب لا أحد يقصدها أصبحنا على مسافة لا تسمح لنا بأكثر من التعليقات المقتضبة على الفيس بوك.

المجلة ترحب بالكتابة بالعامية والفصحى معًا. أمنا الغولة تستحق أن تتنفس خارج هذه المدونة وأنا أجرب نفسي في مناطق مختلفة من الكتابة.
  المقال الأول كان عن مسلسل ذات وفوجئت أنه قُرأ جيدًا، وترك اثرًا طيبًا لدى اصدقائي، ثم بدأت المقالات تتوالى.


في المرة الأولى التي قابلت فيها صديقتي بعد ذلك كنت أشعر أنني أعيد التعرف عليها مرة أخرى، أما هي فكانت تكمل كل ما تم قطعه منذ سنوات على طاولة مشمسة في نقابة التشكيليين.
جاءتني آية بصحبة ساندرا، امرأة جميلة يكفي أن تتكلم معها عشر دقائق فقط كي تشعر بالألفة، ساندرا تقرأ المدونة بانتظام مما يمنحني سببًا آخر لمحبتها، فيما بعد لن أحتاج إلى أسباب كي تصبح ساندرا صديقتي.
 نون تمتليء بكتابات أصدقائي وكأنها المكان الذي نجتمع فيه معًا؛ كي نحكي ونطمئن.


في المقابلة الجماعية الأولى في نون كنا نتسابق كي نحكي عن حياتنا، مع أننا نناقش خطة الكتابة الشهرية فقط ، لكن الأمر متشابك جدًا ولا يمكن فصله. نون تجعلني أفكر في الكتابة لها وأنا أشاهد الفيلم الملهم بالصدفة في التليفزيون، وتحضر في ذهني الآن وأنا ذاهبة إلى عرض حكي في الأوبرا.

كتبتُ بها حين تعرضت لمحاولة للنصب وكتبت بها وأنا أتشاجر مع ذاتي عن الوحدة والونس وكتبت عن النور الذي غمرني داخل الظلام.
مع الوقت أصبحت نون هي المبرر المنطقي لأشياء كثيرة أعيشها ولا أفهمها لكنني أحاول مشاركتها مع الآخرين هناك في نون .






....