السبت، 5 أبريل 2014

آسفي - القاهرة

.




.

"داخل الفندق على كرسي مواجه للشمس أجلس في انتظار الطعام، فراشة خضراء تلعب معي، وتخبرني أن أحدهم يفكر بي الآن، لونه الخاص يشبه هذا الأخضر الفاتح الذي يلون المحيط والسماء".

هذا المشهد يصلح كاستعارة مناسبة لرحلة غريبة وممتعة إلى المغرب، بدأت الحكاية برسالة على الفيسبوك تخبرني باختياري للمشاركة في المؤتمر الدولي للشعر في آسفي، ضمن مجموعة من الشعراء المصريين، المشكلة الأولى التي واجهتني كانت في تكاليف تذاكر الطيران التي يجب أن أتحملها.
بمساعدة الأصدقاء تمكنت من التواصل مع مؤسسة أضف، وأرسلت لبرنامج أضف جيران المخصص لدعم سفر الفنانين، وتمت الموافقة على طلبي، وقامت مؤسسة أضف بتغطية تكاليف تذاكر الطيران إلى المغرب .


وصلت إلى آسفي قبل ميعاد المهرجان بيومين، في الشارع المشمس كنت أملأ عينيَّ بالسماء والناس، أتناول الشاي بالليمون على المقهى وأترك أفكاري تتحرك كيفما شاءت.
الشجرة التي أجلس تحتها تمتلك نتوءات ناعمة تشبه الشيكولاتة بالبندق، والشجرة الأخرى عالية جدًا ومتصلبة، تشبه طفلًا مُعاقبًا يقف أمام السبورة ويرفع يديه إلى أعلى.
آسفي مدينة تشبه الإسكندرية، السماء تلمس البحر، البحر يموج برائحة القرنفل وأم الخلول معًا، الناس في الشارع يشبهوننا، يمتلكون نفس الملامح تقريبًا ولهجة لا أفهمها إلا إذا رغبوا في إفهامي ما يقولون.

أحدهم يكتب لي إهداءً طويلًا مُضفرًا بكلمات ناعمة عن الصدف التي لا تتكرر، وعن الملكات اللاتي يأتين من مصر إلى بلاده الملونة. يبتسم وتشرق أسنانه بالكامل، لكنه لا يسمح لكفي بأن يرتاح أكثر من ثانيتين تلزمان لالتقاط صورة واحدة لنا معًا، يضع لقبًا قبل اسمي، ثم يصافحني ويغرق في الظلام.

لا أبحث عن مغامرة عابرة داخل بلاد تخترع صيفًا وشتاءً في اليوم ذاته، ولا أسترق الحب داخل بلادٍ لا يعرفني فيها احد. خمس ساعات وهو يخبرني عن البنات اللاتي يتركن دراستهن، وعن المدارس التي تحتاج إلى درَّاجات وأصدقاء، لهجتي تتحول إلى صورٍ ملونة يمكنها اختصار الوقت، لكنها مع ذلك لا تمكنني من اكتشاف مخاوفه ذلك الجميل الذي سيختفي فجأة، دون نظرة طويلة أو حضن.


النساء في المغرب مبهجات، يضحكن في الشارع بصوتٍ عالٍ، ويمكن ملاحظة ابتسامتهن في الطريق، كنت أريد أن أكون وسط حلقة واسعة من نساء يثرثرن ويتحدثن عن حياتهن ببساطة لكنني لم أتمكن من ذلك، ربما في زيارة أخرى سأجد ما أبحث عنه.

صفية عز الدين شاعرة أمازيغية من مكان جبلي وبعيد اسمه ورزازات، تتكلم بلهجة أفهمها وتسألني بلطف: انتي فيه حد في قلبك؟ وحينما أخبرها أنني بلا قلب تضحك وتهديني ديوانها المترجم إلى العربية.
صفية تقرأني دون كلام، تربت عليَّ وأنا غارقة في الرعب قبل صعودي على المسرح، ودون أن أتكلم تقول لي: متخافيش كله هيبقى كويس.
أعرف أنني أعرف صفية من قبل، بصمة روحها تشبه امرأة لا أذكر اسمها أو ملامحها لكنني أطمئن إليها وأفرح بوجودها معي.


جميلة أبيطار شاعرة فرنسية من أصول مغربية، طلبت مني الانضام لمائدة الوفد الفرنسي بدلًا من تناول الطعام بمفردي، الكلمات القليلة التي تعرفها بالعربية ساعدتها على معرفة اسمي وبلادي ولم تسعفها لقراءة ما أكتبه للأسف، لكننا بكلمات عامية بسيطة وببعض الإنجليزية وعالم كامل من الإشارات استطعنا أن نتفاهم معًا.
لا أحد يعرف ما هو باب الونس الذي ينتظره في البلاد البعيدة، جميلة كانت الونس الأجمل والأكثر دفئًا خلال عشرة أيام مزدحمين بالآخرين.

أذهب متأخرة إلى النوم،
لكنني أتعثر في ورقة بيضاء
تضم قلبًا كبيرًا وكلمتين: "ليلة طيبة يا أختي"

يارب
لماذا تجمعني بنساء يفهمن روحي؟
لماذا تقودني إلى البراح بخطة لا أفهمها؟
هذه الجميلة التي أصبحت أختي، كيف سأتركها لباريس وحدها؟
لا أفهم كلامها ولا تفهم كلامي، مع ذلك نتصل جيدًا
امنحها الجمال الذي يشبه ابتسامتها، وازرع داخلها الأمل
تمامًا مثلما فعلتَ معي

يارب
أريدها أن ترقص داخل الفرح
وأريد أن تجمعنا معًا في براح يشبهننا

يارب
لماذا أتقاطع مع امرأة كان من الممكن أن أكونها في حياة أخرى؟


أبكي من الإنهاك الشديد والامتلاء بمشاعرلا أفهمها، جميلة لا تربّت عليَّ ولا تقاطع كل هذا التدفق، تجلس على السرير المقابل وتحدثني عن الشعر الذي يختلط بالحياة مثل اختلاط الدقيق بالماء، تخبرني بتفاصيل صغيرة عن حياتها تجعل الإضاءة تكتمل؛ كي أرى ما هو امامي دون ظلال.


الجدران والبيوت ملونة بنظام خاص يجعلني أكتم صرخة مبتهجة، وأتصور أحد أبطال رسوم الكارتون وهو يلون البيوت التي ستبدو مثل المكعبات الصغيرة أمامه.
الأخضر يتنوع بدرجات كثيرة، ويختلط بالأصفر والبني المائل للاحمرار، كل ما أفكر به أنني أريد ارتداء فستان ملون بالأرض والسماء والورود؛ كي أمشي داخل الجبل دون أن يلحظني أحد.

أحلم بأختي وابنتها، وأشعر بالأسى لأنني أمتلك ذاكرة ومشاعر ستمنعني من مغادرة بلادي، والعيش هنا داخل كل هذا الجمال.
أشتاق إلى أمي وإخوتي، أشتاق إلى كل ما يؤلم في بلادي، وأفتقد الجامع المواجه للبيت والغروب الذي يغير مشاعري كل يوم.




....

السبت، 22 فبراير 2014

حديقة نون

.



منذ أن بدأت الكتابة في المدونة وأنا أفرح كلما كتَبتْ أمنا الغولة، أحب نصوصها التي لا تحتوي على أي شيء سوى رغبتها في التواصل والكلام مع الجميع.
في أحد الأيام التي أجلس فيها على الفيس بوك أفكر أنني أحتاج إلى عمل آخر كي تتحسن حياتي، وجدت صديقة قديمة تخبرني أنها رشحتني للكتابة في نون.
كانت صديقة قريبة جدًا ولأسباب لا أحد يقصدها أصبحنا على مسافة لا تسمح لنا بأكثر من التعليقات المقتضبة على الفيس بوك.

المجلة ترحب بالكتابة بالعامية والفصحى معًا. أمنا الغولة تستحق أن تتنفس خارج هذه المدونة وأنا أجرب نفسي في مناطق مختلفة من الكتابة.
  المقال الأول كان عن مسلسل ذات وفوجئت أنه قُرأ جيدًا، وترك اثرًا طيبًا لدى اصدقائي، ثم بدأت المقالات تتوالى.


في المرة الأولى التي قابلت فيها صديقتي بعد ذلك كنت أشعر أنني أعيد التعرف عليها مرة أخرى، أما هي فكانت تكمل كل ما تم قطعه منذ سنوات على طاولة مشمسة في نقابة التشكيليين.
جاءتني آية بصحبة ساندرا، امرأة جميلة يكفي أن تتكلم معها عشر دقائق فقط كي تشعر بالألفة، ساندرا تقرأ المدونة بانتظام مما يمنحني سببًا آخر لمحبتها، فيما بعد لن أحتاج إلى أسباب كي تصبح ساندرا صديقتي.
 نون تمتليء بكتابات أصدقائي وكأنها المكان الذي نجتمع فيه معًا؛ كي نحكي ونطمئن.


في المقابلة الجماعية الأولى في نون كنا نتسابق كي نحكي عن حياتنا، مع أننا نناقش خطة الكتابة الشهرية فقط ، لكن الأمر متشابك جدًا ولا يمكن فصله. نون تجعلني أفكر في الكتابة لها وأنا أشاهد الفيلم الملهم بالصدفة في التليفزيون، وتحضر في ذهني الآن وأنا ذاهبة إلى عرض حكي في الأوبرا.

كتبتُ بها حين تعرضت لمحاولة للنصب وكتبت بها وأنا أتشاجر مع ذاتي عن الوحدة والونس وكتبت عن النور الذي غمرني داخل الظلام.
مع الوقت أصبحت نون هي المبرر المنطقي لأشياء كثيرة أعيشها ولا أفهمها لكنني أحاول مشاركتها مع الآخرين هناك في نون .






....

السبت، 8 فبراير 2014

قد يحدث غدًا



.

تان تان يظهر في قهوتي اليوم، أصبُّه بعد أن أتأكد أنه بعين واحدة وفم مفتوح.
على الناحية الأخرى كانت فيروز تغني فوق جبل الزمالك، المسافة بين فيروز التي تغني داخلي وبين هذه العجوز التي ترتجف في البرد تجبرني على المغادرة.

في نهاية الحفلة أجده، يخبرني أن الكتب معه، وأننا يجب أن نذهب لاستعادتها.
السلالم المعدنية معلقة في الهواء وعاليه، يتبعنا مجند يظننا حبيبين، وأنا أتألم لأننا لسنا كذلك، أطلب من المجند أن يظل معنا، بينما أحاول اللحاق بحبيبي الذي يجري.

بعد اجتياز السلم المخيف أنتظر داخل قاعة مكتظة بالناس، بإمكاني أن ألحق به، لكنني لا أثق أنه سيعود إليَّ مرة أخرى.
أنتظر وأفكر في العودة إلى البيت مع خذلان مكتمل، لكنه يأتي ليصطحبني إلى الخارج.
أتحرك مثل من تناول للتو حقنة مخدرة، أكاد أسقط من رغبتي في النوم، لكنه يتمشى معي في الشوارع التي لا تشبه ما أعرفه عنها.


يضع يدًا على كتفي وأنا لا أصدق ما يحدث، أنتبه إلى أنني أشعر بالأمان، وشعور آخر يتدفق بقوة يشبه البراح الذي أعرفه بالخيال فقط، أحاول رفع أقدامي عن الأرض، أنجح في البقاء تحت ذراعه وراحته تمسك كتفي بحب.
 محاولة الطيران نجحت أخيرًا. الوقت تأخر، أفكر بالعودة إلى المنزل ، أكاد أسقط في النوم.

يحكي لي عني وأنا أندهش ولا أصدق ما يحدث، يده لا تستمر طويلًا فوق كتفي، تعود إلى جواره بسرعه، لكن كفًا وذراعًا قويًة يلتفان حول خصري، أشعر بقوة ذراع تصيبني بألم ما ، هذا الضغط لا يشبه فكرتي عن اثنين متخاصرين في الطريق، بل يشبه احتضان كامل، أو رغبة معلنة.


يدعوني إلى الذهاب معه إلى مطعم ما، وحين أسأله هل يشعر بالجوع ينفي الأمر تمامًا،
يريد أن يذهب لأجلي، أقترح الذهاب إلى محل الآيس كريم ، يوافق،أخبره أنني أحلم به كثيرًا؛ فيتفككُّ كل شيء وأطفو فجأة.


.....




اللوحة للفنان ديجا



...

الخميس، 6 فبراير 2014

تقاطع مع Adaptation





1
لم أكن انتظر أن يأتي الحب من هذا الاتجاه، لم اقابله من قبل ودون أن يقصد وضع قليلًا من الدفء ؛ كي تشربه امرأة يراها للمرة الأولى. أخبرني أن حبيبته السابقة أحبت كل الرجال الذين حكي عنهم، أحبت كل أصدقائه تقريبًا، ولا يعرف لماذا لم تحبه هو إذا كانت تثق بقدرته على فهم الآخرين. 

رغبتها في محبته لم تُصبه، كان مغلقًا وصلبًا، لم تجد المحبة ثنية واحدة كي تتشبث بها، فانزلقت كلها إلى الأرض، بالصدفة كان الآخر هناك مثل إسفنجة عطشى ينتظر.
سيكتب أحدهم أنها تحب المغامرات السريعة، ويخبرأمه أنه يحبها، ولا يستطيع أن ينسى محبة أصدقائه لها.

لم تكن سعيدة وهي تطارد الشغف في كل الأماكن، وأخبرتها صديقتها الأقرب أنها لا تريد الخروج من دائرته؛ لذلك توطد علاقتها بأصدقائه. الحب لم يكن حاضرًا أبدًا، تحاول أن تنتصر لقوتها، الانتقام الخفيف الخفي يُشعرها بالنشوة، لكنَّ الرجل يداوي الوجع بالحكي، أقسم ان يحكي عنها لكل من يعرفهم؛ كي لا تواصل النمو داخل ذاكرته مثل نبات متوحش.



2
مع أنني أجلس امام التليفزيون، وأحاول إكمال فستان أحتفظ به داخل خيالي، إلا أن نيكولاس كيدج قام بالتقاط خيط قديم من رأسي، جلس أمامي على كرسي السفرة، ثم ابتسم: "لا يمكنك تكرار هذا المشهد مع حبيبك، الحديقة الغارقة في احمرار الشمس، وهذا الوهج الذي انعكس علينا لا يمكن تكراره، ثم إنها تحبني فعلًا، وربما تركت حبيبها لأجل أن تظل معي، كيف ستقولين لرجل تحبينه "أحبك" دون أن تتوقعي أنه سيعتذر ويمشي".



3
دروس الكتابة أنقذت حكايته، لم يخبره الأستاذ كيف يكتب، فقط  كسَّرعزلته، ومنحه مرآة صغيرة يعكس بها الشمس، ويحركها باتجاه حياته.
كنت في العربة ذاتها يا نيكولاس، وكان رجلًا ما يدَّعي صداقتي، كل الذين أحببتهم تقريبًا، أخبروني أن عملًا منهكًا ينتظرهم .
وكل الذين أحببتهم تركتهم في الشارع غارقين في دهشتهم، وذهبت إلى خذلاني الخاص.



4

لا أحتاج إلى مطاردة الأزهار كي أخترع الشغف، أنا أتحول إلى مغناطيس عملاق وتأتي إليَّ الطرائد.



.....

Adaptation movie


....

الاثنين، 27 يناير 2014

تقاطع مع truman show



.

أشاهد فيلم ترومان شو للمرة الأولى كاملًا، وأغرق داخل أفكاري التي يذهب بها الفيلم إلى سماء أخرى تبدو كباب يفضي إلى مجهول آخر.

ترومان لا يكون حرًا إلا في أحلامه، داخل خياله الخاص يصبح متحررًا من المراقبة، ومن كل هؤلاء الذين يخدعونه باستمرار. الخروج من حياة مزيفة بالكامل يتطلب فقط أن يواجه أسوأ مخاوفه .
الغرق هو أسوأ مخاوفه التي اختبرها بقوة، وعبرها إلى النجاة. لا أتصور أن الحياة التي تنتظره خارج استوديو التصوير بإمكانها ان تصبح بسيطة أو سهلة، لكنها غير مزيفة.

في الحلم أفوز بمسابقة ما، وأكوّن فريقًا مع أحدهم، ثم أجد نفسي داخل الفندق الذي كنت أتسائل من أين سآتي بالنقود لأجله، أنا واختي وابنتها وأصدقائنا داخل فندق ما.
أرتدي جلبابي الكستور، تمامًا مثلما أفعل في البيت، وأحمل ابنة أختي، وأتجول في قاعة الاستقبال، أحاول الكلام مع زميلي فلا يتعرف عليَّ ... لا يسمعني ولا يتعرف عليَّ.
أفقد الاتصال مع العالم حينما أقترب- قليلًا- من طبيعتي الداخلية، كل هذا الملابس القديمة الفضفاضة، وهذا الشعر المهوش الذي تم ربطه كي لا يزعجني، دون أن يمشط على الإطلاق ... هذه الأقدام الحافية تخصني أيضًا.
 .
 .

الحب هو العاصفة والبحر والسماء 
لكنَّ ما وراء الباب حقًا هو فقدان الثقة.



.....

الخميس، 26 ديسمبر 2013

رسائل غير مرغوب فيها




.


اصطدمتْ بي في طريقها إلى الممر، ثم أخبرتني أن حبيبي هناك، وأن عليَّ أن أذهب لتحيته، قاومتُ رغبتي في الهرب فورًا، ثم استدرتُ ومشيت خطوتين، في الخطوة الثالثة رآني هو.

لم يقفز فجأة، ولم يتغير لونه، أو يسقط قلبه إلى أسفل قدميه، ابتسم، كشَّر عن أنيابه بابتسامة تصحبها نظرة لا تصدق ما تراه، نظرة ترغب بالتأكد من انني أنا أنا.
ثم ابتسامة أخرى تأتي من ذاكرة لا تحتفظ إلا بالصور، ثم خرج كلامه الذي لم يكن سوى ( ياااااه ) طويلة .

دقيقتين كاملتين من هذا الارتباك العظيم، ثم تذكرتُ أنني يجب أن أكمل المشي باتجاهه وأنه –للأسف- لم يعد باستطاعتي أن أهرب أو أختفي.

أربع خطوات، ثم صافحته بيدٍ لم تعد تتصل بقلبي، وذاكرة لم تستدع يدًا قديمة كانت له أيضًا، ثم بعد (عاملة إيه والحمد لله) درتُ بعيني على الجالسين معه فلم أتعرف على أحد.
سألني مع من تجلسين هناك، فأخبرته، ثم لوحت بيدي كأي امرأة تريد أن تختفي (فرصة سعيدة).
عدتُ إلى مكاني بأسرع مما يمكن، ولم ألتفت ورائي أبدًا، لكنَّ الذاكرة أمدتني بصورة قديمة لي وأنا أقطع العلاقة بمقص غاضب، وأستدير ماشية، وغير ملتفتة له، هو الذي ظل واقفًا طويلًا كي يفهم كيف حدث ذلك.

لم أحاول أن أخفي ما لا يظهر فعلًا، لا أملك ما أخفيه هذه المرة، بعد دقيقتين جاءت صديقتي/ صديقته لتجلس معي وعلى عكس ما تصورت لم تكن تهتم بأي من الذين يجلسون حولي، كانت تنظر إليَّ، وتتكلم، وتصنع من نفسها فخًا لاصطياد حبيبي.

بعد أربع دقائق وضع يدًا على الكرسي الذي أجلس عليه، ويدًا على كرسي صديقته، وتساءل: (انتوا تعرفوا بعض)  قالت له بلهجة من تريد أن تخبرني عن نفسها ( لسة مقطعناش بعض)، ضحك فقط ووقف طويلًا بالقرب مني، طويلًا لدرجة أن مغناطيسًا ما بدأ في العمل.

بعد محاولة للانخراط في حوار يدور لم أعد أسمعه، وجدته يأتي ليجلس معنا، تثاقلت في رفع حقيبتي عن الكرسي الذي بجانبي؛ فقال أنه سيحضر واحدًا آخر وضعه بجوار صديقته، ثم بدأ الناس يختفون بالتدريج.

أصبح مرتبكًا جدًا وهو يحاول خلق خيط من كلام ليس مهمًا على الإطلاق، كل ما في الأمر أنني هنا، وأنه يرغب في التماس مع ذاكرة بعيدة.
ذاكرتي الجديدة سجلت أن له ابتسامة خجلى لازالت تتحرك على صفحة وجهه منذ أن كان وشمًا على قلبي.
صديقته راقبتنا بخفة شديدة لم ألحظها إلا حينما جلست وحدي ووضعت الكلام داخل مجراه الحي.
ما الذي تريده مني واحدة تحب رجلًا كنت أحبه؟

.......









اللوحة من رسوماتي



......


السبت، 30 نوفمبر 2013

مصراتة - الفاهرة

.

.



.


تفتقد صوت أم كلثوم فقط، في البلاد البعيدة لا تخرج الأغاني من المحلات ولا يباعتها عمرو دياب في الشارع.
الألماني يضع سماعتين صغيرتين في أذنيها، ويطلب منها أن تسمع أغنيته
تحاول أن تحرك أقدامها دون ألم في الصباح الغائم للمدينة البعيدة، الصباح الأجنبي يحبها ولا يصيبها بالضجر. السفر هو أن تتناول إفطارك بجوار الغرباء.

الزملاء يعانون من كثرة الاتصالات ولا أحد يكلمها سوى الألماني الذي تتكسر إنجليزته في الشارع وتصنع مظلة دافئة تسمح لها بالفرح.

المغامرات العابرة لا تناسنبي، مع ذلك أنشغل برسم خرائط لها أثناء الليل.
لا يتكلمون معي لأنني امرأة، يتركون مسافة ما وهم يلقون التحية، وحده الألماني يبتسم حينما أشاركه المائدة في الصباح.

الغريب لا يحكي لي عن ذاته لكنه يتبادل معي خياله عن الآخرين، نضحك ونحن نشترك في قراءة أشياء لم تحدث أبدًا.
الوجود في الشارع عارية الرأس مغامرة غير محسوبة العواقب، نمشي تحت مطر خفيف ونأتنس بكلمات بسيطة.

يضحكون وهم يتكلمون معي، يرونني خفيفة جدًا وغير صالحة لمناقشة القضايا الفنية الهامة، لكنهم يندهشون وأنا أحكي عن تجربتي في التعلم، يندهشون حينما يرونني أرسم وكأنني أفعل ذلك كل يوم، لا أحد يصدق أنني لم أمسك فرشاة منذ خمس سنوات وربما أكثر؛ لكنني حينما قررت الإمساك بها قامت باحتضاني فورًا وأعادت لي ذاكرة منسية.

فاطمة تعطيني خاتمها، وأنا لا أفهم ما الذي يرغب في الإنتقال منها إليَّ، هل ترغب في أن تهبني بعضَا من جمالها الخاص؟ هل تسرب لي قوتها عبر حلقة ما احتضنت أصابعها ذات يوم؟.

في العالم البعيد لا أحد يفتقد وجودها إذا أنها افتراضية بالكامل وغير موجودة في حياة أي شخص، فقط رسائلها الخفيفة على الفيس بوك، أو الكلمات التي تقتطعها من يوم طويل كي تتصل جيدًا بأشخاصٍ لا تعرفهم على الإطلاق.

تركت صوري كلها بالبيت، دون أقنعة أتحرك وخيالي عن ذاتي يصير خفيفًا مثل علامة مائية بسيطة.
لا تفتقد حبيبًا ما، وتقرر أن السبورة الخالية من الأسماء تساهم في تحسين حياتها.
ترغب في كتابة رسالة كي تطلب من أحدهم ألا يخبرها بمحبته؛ لأن الحب يتم ترجمته داخل عقلها إلى: (مزيد من الألم والخذلان بانتظارك).
ترغب أن يطلب منها أن تأكل معه كل يوم، أو أن تشاركه المشي لمسافات طويلة، أو أن تقترب منه كي يعرفها فقط.

الحب يخضعها لتعذيب منظم وطويل كل مرة، لذلك لن تنبتسم له هذه المرة، ستستجيب لمشاريع عقلانية لطيفة عن مشاركة الحياة فقط، ولن تمشي باتجاه الشغف مرة أخرى.




.....

السبت، 12 أكتوبر 2013

عن وسط البلد





في طفولتي كان الذهاب إلى وسط البلد علامة أكيدة على اقتراب العيد، كان الازدحام الشديد يبهجنا، ويجعلنا نرغب في الاختفاء داخله وعدم العودة إلى البيت.
بعد ذلك أصبح شارع طلعت حرب هو المكان الرسمي للتمشية المسائية السرية، كنا أنا وأختي نتمشى من البيت إلى وسط البلد، ونعود بنفس الطريقة.

كل ما أتذكره أن الشارع كان واسعًا جدًا، كأنه يمتد بلا انتهاء، وأن الأضواء الكثيرة وتدافع الناس يجعلنا نشعر بالبهجة.
بعد ذلك كانت مدرسة الحواياتي الثانوية في شارع الشيخ ريحان هي قبلتنا اليومية.
في منتصف التسعينات كان مترو الأنفاق لا يزال اختراعًا جديدًا، وكانت رغبتنا في اكتشاف المكان (ميدان التحرير وما حوله) تتسع يومًا بعد يوم.
كنا ندخر من مصروفنا اليومي كي نستطيع الذهاب إلى المطعم الشهير آخر الإسبوع،
وكان الذهاب إلى ميدان باب اللوق مغامرة كبرى، ومسافة جديدة نكتشفها يومًا وراء يوم.


في أتلييه القاهرة كانت خطوتنا الأولى نحو الفن، هذه الخطوة التي لم تبدأ بالمعرض الجماعي الذي أقمناه في قاعة راتب صديق وكان اسمه " خطوة واحدة"، بل كانت بمعرفتنا بالفنان التشكيلي الأستاذ عمر جيهان.
كنا لا نزال طلبة في كلية الفنون الجميلة، وكل ما نعرفه عن الفن هو التمارين الدراسية
لكننا داخل حديقة الأتلييه -التي كانت إضائتها أجمل مما هي عليه الآن - كنا نتعلم معنى الفن والطرق المختلفة لقراءة العمل الفني وتقييمه، كما تعلمنا الدرس الأكثر أهمية وهو أن إنتاج الفن أهم من الكلام عن وحول الفن.

في الأتلييه كان يومي الأحد والثلاثاء يكتسبان طابعًا خاصًا، أصبحنا نذهب إلى هناك بانتظام والجميع يعرفون أننا تلاميذ الأستاذ عمر، نتحلق حول مائدة صغيرة، ونناقش المعارض الجديدة ونتعرف على الفنانين والأدباء، ونشاهد اللوحات الجديدة لأصدقائنا
عمر جهان كان يعلمنا احترام تجربتنا الفنية حتى وهي في بدايتها ،ومواصلة العمل دون الالتفات لكل التفاصيل المعطلة في الحياة.


أما تاون هاوس فكان المكان الأكثر قربًا بعد الأتلييه، معارض الفن التشكيلي كل أحد وعروض الفيديو والسينما في أوقات أخرى... لا يمكن أن أكون داخل هذه المنطقة دون أن أعثر على صديق بالمصادفة.


المسافة من التحرير إلى الأوبرا عبر كوبري قصر النيل كانت نزهتنا اليوميه، كوبري قصر النيل ممتليء دائمًا بالأصدقاء والمحبين، ويبدو في كامل بهجته قبل الغروب تمامًا.
 لا أستطيع أن أدَّعي أنني أحببت أي شخصٍ دون أن أتمشى معه على كوبري قصر النيل. المياة المتكسرة والقوارب الشراعية ونسمات الهواء المتدفقة كل هذه التفاصيل كانت تؤنسنا وتنعش أرواحنا.

في الأوبرا كنا نذهب إلى الحفلات الموسيقية منخفضة التكاليف، ولا أنسى حفلات البالية الصباحية في المسرح الكبير.
في الهناجر ذو الحوائط السوداء كان وعينا يتفتح عبر المسرحيات المتنوعة والمتعاقبة التي كنا نحضرها في نهايات التسعينات ومع بداية الألفية الجديدة، قبل أن يتم غلق مسرح الهناجر للتجديدات والترميم.

في وسط البلد تعرفنا على المقاهي التي يجلس إليها الفنانون التشكيليون والشعراء،
من التكعيبة إلى البورصة إلى مقهى صالح. كل المواعيد الأولى ترتبط بمقهى ما.


أثناء الثورة اكتسب ميدان التحرير طابعًا خاصًا، تحرر من كونه محطة رئيسية، وأصبح عالمًا مكتفيًا بذاته، وممتلئًا بالأحلام الجديدة، والحياة التي ستصبح أكثر جمالًا في المستقبل. لكنه عاد مرة أخرى وأصبح علامة على الخذلان.
لا أرغب في المرور به الآن، وأخشى مقارنته بصور الذاكرة الحية.


بعد إعادة افتتاح مقهى ريش في شارع طلعت حرب كان اسمه مرتبطًا داخلي بالشاعر أمل دنقل، وكان كتاب الجنوبي لعبلة الرويني لا يزال طازجًا داخل ذاكرتي.
لأسباب لا أعرفها لم أذهب إلى مقهى ريش إلا مع الفنان عدلي رزق الله.

بدأت الحكاية بالندوة التي أقامتها له جماعة مغامير في مكتبة البلد، كان حضوري هذه الندوة هو المصادفة التي جمعت بيني وبين الفنان عدلي رزق الله.
حينما دخلت إلى مقهى ريش فوجئت بنظرة استنكار من الرجل الذي يجلس خلف المكتب في مقدمة المكان -عرفت بعد ذلك أنه صاحب المكان- سألته عن الفنان عدلي رزق الله وحينما أخبرني أنه لم يأتِ بعد فضلت الانتظار بالخارج.
بعد فترة دخلت مرة أخرى وكان عدلي رزق الله هناك، وقدمني إلى صاحب المكان بوصفي شاعرة جديدة، ولم تتغير ابتسامة الرجل الغريبة .

المكان كان مغمورًا بضوء أصفر قديم مختلف عن عالم النيون الذي يسكن حياتنا الآن،
عبد الوهاب يتدفق دائمًا بصوت مناسب " آه لو كنت معي نختال عبره".
كان عدلي رزق الله يحكي لي عن مشواره الفني، وعن المسافة الطويلة التي يجب على الفنان اجتيازها كي يجد بصمته الخاصة. وكان يحكي عن ابنتيه وعن إعادة التعرف على العالم عبر نافذة الذات.
كنت أبتسم وأندهش من هذه المحبة التي تغمر العالم من حولي، أحد الأطفال كان يأتي لـ"عمو عدلي" كي يريه رسوماته الجديدة .
دخل عدلي رزق الله إلى حياتي ليعلمني كيف أثق في ذاتي، وأؤمن بالمستقبل البعيد
ثم ذهب بعد وقت قصيروكان موته ثقيلًا وقاسيًا جدًا، لكنني أحتفظ بوجوده داخل ذاكرتي الملونة والممتلئة بالحلوى.
إلى الآن كلما مررت أمام ريش أنظر من الواجهة الزجاجية وأنا أبحث عن عدلى رزق الله.


أتمشى داخل شوارع وسط البلد باطمئنان قديم، ومهما كان ما يحدث أفكر أن بإمكاني المشي إلى البيت دائمًا.
وستظل هذه المنطقة هي الأقرب إلى قلبي، والأكثر قدرة على استدعاء الذكريات القديمة، وربط الماضي بالحاضر داخل خيالي.


.........

غادة خليفة

2013





* نشر في الثقافة الجديدة - أكتوبر 2013


painted by: Fernando Botero





......