الأربعاء، 8 فبراير 2012

فتافيت زجاج لامعة

.



.



.


1

أسقطُ في الشارع فجأةً دون أن يحدثَ أي شيء
لم أتعثر بطوبةٍ ولم يشتبك ثوبي بمسمار
لقد سقطت فجأة
ساقاي انثنت تحت ثقلي
ركبتي تحتكُّ بالأسفلت وأنا أرتجف
أرسم ابتسامة - كما عودتني أمي- وأجلس على الرصيف
أقنع ذاتي بإكمال الطريق
في المكتبة أجلس بابتسامة تفترش وجهي ولا أحد يعرف شيئاً عن قدمي المصابة
أحكي لصديقتي ما حدث فتحضنني
لا أشعر بأي شيء
لم أعد أشعر بشيء
ربما تحولتُ إلى جدارٍ عازلٍ دون أن أدري
لا أحد يعبرُ إليَّ أو يمدني بالفرح
لا أستطيع تعريف الفرح الآن
ركبتي المصابة ترتعش على السرير لكنني أكملت الطريق على أية حال
فرصتي ليست جيدة، ربما تكون ضعيفة
أنا بعيدةٌ عن الجميع ومزودةٌ بجدران عازلة
تسندني ساق مرتعشة تسقط تحتي من وقتٍ لآخر.



0

زجاج الفرن يتهشم فوق قدمي دفعةً واحدة
وأنا أبكي
كل الزجاج يتكسر على رأسي الآن
دون أن أبكي
لا أحد يقترب أو يبتعد
وجودي في العالم غير مرغوبٍ فيه
فقط



-1

لم أغسل يدي من الكاكاو العالق بها
الولد يفلت من مصيدة العلاقة ويجري
خياله يقنعه بالفرار
وعقله ممتليء بالهواجس الطازجة والعفنة
لم أقتسم ألمي مع أحد
أشاهد دمي يعبر الحجرة بسرعة ويصعد إلى السرير
يفترش الملاءة واللحاف
لا أريد اقتسام الأسى مع أحد

الولد قادرٌ على تعذيبي آلاف المرات بنفسٍ بريئة
أدخل بين اسطوانتين دوارتين
ويتم عصري ببطء
هذا الألم لا يخصُّ أحداً غيري
سأدهن به بشرتي قبل النوم
كي تأتي الكوابيس لانتشالي من الدم



-2

النور يغمرني ويخرجُ من بين أصابعي
ممتلئةٌ بالشغف حتى حافة قلبي
أغامر بقلبي مرة أخرى معك
أغامر بقلبي المكسور منك
معك



.......

painted by: Graham Dean


......

الأحد، 5 فبراير 2012

سيدة التفاصيل الناقصة

.








النَّاسُ ضيقون ... ضيقون جدًا
يسببون الألمَ مع الوقت، ولا يتمكنون من اختراع البهجة
اختراعُ البهجةِ الخام التي نحفظها داخلنا كي نحتمي بها
البهجةُ التي تشبه عيدان القرفة الخشبية
حلوة ولاذعة في الوقت ذاته

يتمنَّونَ لي عامًا سعيدًا ولا يفتحون أذرُعَهُم كي أدخل إليهم
يكتبون لي: سنة سعيدة
ولا يتبرعون بابتسامةٍ حيَّة تخترعُ السعادة

عيد ميلادي هذا تعيسٌ أيضًا
أبدو عاريةً من البهجة
أرتجفُ من وحدة تعيدُ إنتاجَ ذاتها بدأب
صلواتي كلها لم يُستجب لها
الله لا يحبني ... أيضًا
" أكتب ذلك وامرأةً تصرخُ داخلي: الله يحبك جدًا ... لا تنسي ذلك "

أيها العالم الذي يقضمُ قطعةً كبيرةً من عمري
ويلقيها بعيدًا جدًا
أنا أحاربُ الموت باختراع حيواتٍ جديدة
أخترعُ أحلامًا طازجةً، ولحظاتٍ محشوَّةً بالدفء
أخترعُ السماء واللون
أضع كل هذه الأشياء خلف الباب؛ كي تمنعَ الموت من الاقتراب مني
أغلقُ الباب وأكدس الأحلام وراءهُ

أنا الطفلةُ الضائعة في براح الأنوثة
لم ينقذني أحد
أضيّعُ ذاتي في الجمال الذي يسمونه فوضى
أتفتتُ داخل شجاعتي التي لا يقبلونها
يكتبون لي روشتةً كي أُشفى
سيعطوني مُضادًا حيويًّا كي أقمع كل هذه التلقائية
وشرابًا لن يسمح لضحكتي بالانطلاق بكامل خفتها
وحينما ينتهون من تقليمي جيدًا
سيتركونني أيضًا

أعيدُ تعريفَ كل شيءٍ
وأتراجعُ عن أفكاري الطائشة المتعلقة بالسحر الذي لا يمكنُ مقاومته
كبرتُ على كل هذه التفاصيل السينمائية
الأفكار تبتعدُ بقوةٍ كأنما تمَّ إلقاؤها في الفضاء
خارج الجاذبية تمامًا

يقول صديقي: إنهم لا يحبونكِ كما أنتِ
كوني كما يريدون كي لا تنهشكِ الوحدة
أعدِّدُ المرات التي حاولت فيها أن أكون أخرى ولم أستطع
ينصحني بإعادة المحاولة
فأرغبُ بتكسير السماء فوق رأسه
كي يصدق أنني أتألم


أريدُ أن أمتلك بيتًا يطلُّ على السماء
لكنَّ السماء ترفضُ دون إبداء أسباب

أريدُ شراء بيتٍ يطلُّ على سماءٍ ترفضٌ
ولا أمتلك أحلامًا تكفي لاسترضاء نفسي

أريدُ بيتًا يطلُّ على سماءٍ أعرفها
لا تطلب مني ارتداء قناع امرأةٍ مطيعة

أريد بيتًا يطلُّ على سماءٍ تشبهُ السماء
أو يختًا كبيرًا يذهبُ إلى البلاد البعيدة
البلاد البعيدة تبتهج كلما اكتشفت أنني لا أصطحب وشوشًا كثيرة في حقيبتي
لكنَّها تغضبُ إذا رفضتُ أن أخلعَ ملابسي


المونودراما لا تلائمني أبداً
تعبتُ من إنتاج الأفكار الشريرة والطيبة
ثم إعادة إنتاجها مرة أخرى
ثم لا شيء
لا أمتلك شجاعةً كافية كي أخرج هكذا ببساطة دون ثرثرةٍ فارغة
ولا أملك مسدسًا محشوًأ برصاص حي
كي أفرغه عن آخره في رؤس الجمهور السعيد
الذي يكتفي بمشاهدة كل هذا العبث

.....


painted by: Wladyslaw Slewinski


......

السبت، 28 يناير 2012

مقاطع من رسائل قديمة

.





1


إلى صديقي ..... في 13 يناير 2011
____________

الدموع تصعد إلى عينىّ وأنا أقرأ خبر سقوط بن على في تونس
أفرح وأخاف

ربما ما سأكتبه هنا تعتبره امرأة داخلي نوع من الجبن المتخفى
ولكنني لن أخرج في مظاهرة مثلما خرج شعب تونس
لن أفعل لأنني أتصور الحياة أعلى من أي شيء
ولن أتسامح في دم ابني أو أخي أو صديقي
حتى ولو ضمن الحرية لوطنٍ كامل

الأمهات اللاتي فقدن أطفالهن على الجبهة بدعوى التحرر والنصر وكل تلك الكلمات البراقة
لا أحد يعرف حزنهن
أختار أن أكتب ... ولا أختار الموت أبداً

كنت سأمنع أولادي ولو بالعنف من الخروج إلى الموت
ولا أعرف ماذا يمكن أن تسمي هذا الإحساس
العالم يفرح بالحرية
وأنا أبكي على الموتى / الشهذاء
أتصور أنه في كل العصور ينقسم الناس إلى ثلاثة فرق
فريق الأبطال الذين يموتون لرفعة الوطن
وفريق العاجزين ... وفريق الجبناء

أنتمي للجبناء الملعونين غالباً
وأتصور أن المشهد كما حدث هناك سيحدث هنا قريباً
يملأني الخوف ولا تملأني فرحة التحرر من المحتل الوطني

أخشي عليكم جميعاً
وأعرف أننا جميعاً لا نتمتع بحياةٍ كريمة على هذا الوطن
ولا مستقبلَ لنا تقريباً اذا استمر الوضع على ماهو عليه
وأعرف أن الموت سيجيء من أي اتجاه إذا حان وقته
لكنني أخاف
ولا حيلة لي في هذا


..........

2

إلى صديقي ....... في 25 يناير 2011
____________________



أستيقظ من النوم وتتبقى بداخلي صورة الكلب ( ريتشي )
الذي أُقبِّلُ رأسَه فيبقى معي لأنه يتأكد من محبتي
هذا الكلب الذي لا أعرف كيف أحتفظ به

وتقرر أختي أن تأخذه أو أن يظل معها

أشاهدها تُقبِّلُ رأسه فأربت عليه وأقبِّل رأسه
فيقرر أن يكون معي

لا أعرف سوى أنه حلم عن الولاء والمحبة

عن اكتساب المعرفة الجديدة


أستيقظُ متعبةً قليلاً برغم الحلم الملهم

الأخبارعلى الفيس بوك تصيبني بالدموع وبانهمار المشاعر التي لا اسم لها
أتصل بأختي التي تصور هناك في مواقع الأحداث

عائلتنا بأكملها تجلس في البيت ولا أحد يعترف بإمكانية التغيير


أريد أن أكون معهم الآن
أتصل بأختي كي أكون معها فتتعلل بكونها في مكانٍ بعيد

وتطلب مني أن أنزل إلى التحرير
أو أتصل بأصدقائها كي أذهب معهم

أحاول الكلام مع صديقتي لأجدها غارقةً في مشاكلها الخاصة
غارقة ولا ترغب بالخروج

سأنزل غداً ربما

أقول لأخي سأنزل الآن فيحاول منعي بالقوة
لم يكن ليستطيع منعي أبداً إذا لم أكن متعبة هكذا وخانعة قليلاً

أحاول التفكير بأصدقائي الذين سيخرجون معي فلا أجدهم
لا أجدهم داخل ذاكرتي
هل تفهم ذلك؟

المشاعر تتجمع كحزمة كبيرة بلا مسميات تخنق ممر التنفس الصغير الذي يسمح بمرور الهواء إلىَّ
ربما سأشفى بعد قليلٍ من التعاطف

الحياة تتغير إذن والنور سيأتي لأن ميعاده قد حان
يارب
أنر قلوبنا بنورك واهدنا لمحبتك
آمين



......

3

إلى صديقي...... في 26 يناير 2011
_______________________

لا أعرف أين أنت اليوم؟ أو لماذا لم تكتب لي؟
لم أتصل بك كي لا يرعبك كمُّ الأسى في صوتي.
أختي تقول أن هناك ثورة حقاً، وأن الناس في الشارع تطالب بإسقاط النظام
وأنها ليست مظاهرات تشبه جميع المظاهرات
وأن الناس العاديين جداً هناك


كلما حكت لي أشعر بتأنيب الضمير أكثر

كان يجب أن أكون هناك

حكت لي عن البواب - الوطني على حد قولها -
الذي تركها تصعد هي وزميلها سطح العمارة العالية المواجهة للميدان كي تصور
حكت لي عن الخوف المرتسم على وجوه أفراد الأمن

وعن الاندماج في الجميع

أحتاج أن أصرخ وأبكي معهم أنا أيضاً


سأذهب لأنام .... كي أستيقظ
أريد أن ننزل سوياً إلى المظاهرات
أراك على خير

.....

4

إلى صديقي ....... في 27 يناير 2011
__________________________________

ماعي الرعاية؟
الرعاية هي الاهتمام الحقيقيَّ بالآخر
الاهتمام من الهم أي من تحمل هموم الآخر ومشاكله
الرعاية هي الحفاظ على الآخر سعيداً ، ومتابعة نجاحاته والمساعدة في تحقيقيها
الرعاية هي أن تكون مسئولاً عن راحة وسعادة وسلامة الآخر
الشعرة البسيطة التي تفصل الرعاية عن السيطرة هي التحكم
أن تتحكم في الآخرهذا يعني ان تسيطر عليه
أن ترعاه = أن تحترم اختياراته

أعرف أنك شعرت بقلق حقيقيٍّ عليَّ،
وأنك تصورت كم الأشياء المرعبة التي ستحدث لي إن دخلت مظاهرة
وتم شدي داخل عربة البوليس، أو تم الاعتداء عليَّ بأي شكل من الأشكال.
أنت تفكر أيضًا بأنني حتى لو خرجت معك فلن تستطيع حمايتي
لأنك أصلاً لا تستطيع حماية نفسك من البطش،
تتصور أنك بإبقائي داخل بيتي تحميني ولكنَّ البيت ليس أمنًا بأي حالٍ من الأحوال.

الحياة في هذا البلد ليست آمنة بالمرَّة ،
بإمكاني أن أظل في البيت لكنه سيسقط فوق رأسي،
سأمتنع عن النزول في المظاهرة لكنَّ قنبلة ما ستنفجر بي وأنا أمشي في الشارع،
سيعتدي عليَّ أحدهم دون سبب أيضاً
الحياة ليست آمنة في هذا البلد
سأخرج إلى المظاهرة كي أحقق هذا الأمان ، سيحدث ما يجب أن يحدث ... لا تخف
" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"

ثم تصوَّر معي سيناريوهات المستقبل
إذا نجحت الثورة سأشعر بالهوان لأنني جبانةٌ جداً لا أستحق تلك الحرية التي جلبها لي الآخرون
وإذا فشلت سأشعر بالمسئولية عن كل شحص تم إيذاؤه أو قتله
لأنني قد تسببت في كل هذا حينما خفتُ على نفسي ولم أفكر بهم.

الاتصال بيننا صار ممتلئًا بشحنات ألمٍ خفيَّة
لقد ذكرتني بإخوتي الذين يقاومون عقلي بالعنف،
لم تفعل أي شيء ... أعرف
لكنك اقتربت من جرحٍ ساخن وأثبتَّ لي أنني وحيدة جداً.
أقدِّرُ أن خوغك عليَّ هو محبة منك مثلما أعرف أن إخوتي يحبونني
لكنني كنت أظن أنك تشبهني.

ربما لن أرسل هذا الخطاب لك
وربما ستقرأه في يوم ما
لا أعاتبك لأنني لم اتألم منك
أنا أتألم من جرح قديم ربما سيبرأ قريباً

أكتبُ لك الآن لأقاوم خوفي
أخاف أن يعتدي الأمن عليَّ وأخاف أن يقتلوني
وأخاف أكثر الا أجد أحداً أذهب معه
لا أريد أن أكون وحدي هنا، أريد أن أكون هناك
يارب
لا تخذلني وامنحني قوة ومحبة من عندك
" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"



....


painted by: Margaret Morrison


.........

الأحد، 22 يناير 2012

يناير ... كما يحدث دائمًا

.






لا أريدُ أن أضع همي على كتف أحدهم،
إذ أنهم يئنون تحت ثقل أنفسهم.

البراح الذي أحتاجه لم يسقط من السماء لأجلي
لكنَّ الشمس تصالحني في الغروب،
تلون خدي وترمي بريقًا داخلي عينيَّ
وتُذكِّرني بالنهايات والبدايات المتعاقبة.


أقول لصديقي: أنا تعيسةٌ، يردُّ: كلنا تُعساء.
ثم يبدأ في سرد إحساسه باختصارٍ شديد،
الكاميرا تتوقف طويلاً أمام صمتي الذي لا يُفصحُ عني،
ثم تتعقب عدداً من الكوفيات التي أصنعها للشتاء علَّه يرضى.


أحب الحياة التي لا تحبني بالضرورة لكنها تحتفظ بي داخلها لسببٍ لا أفهمه.
أنتصرُ لذاتي في كل المعارك،
أرفض ارتداء حذاءً رائع الجمال يدميني كل مرة .... كل مرة تقريباً

الأحذية الجميلة المؤلمة تروج إشاعات عن اتساعها مع الوقت
مع الوقت تدميني أكثر ... يزداد العذاب دائماً كلما مرَّ الوقت
لا أحتاج إلى الدفاع عن قدمي المصابة بالفلات فوت،
تلك القدم الكبيرة والعالية التي لا يناسبها أيُّ حذاء

لماذا أُتَّهمُ بقدمي التي لم أخترها؟

أخي يظنُّ أن بإمكانه أن يضربني لأنني طلبتُ منه ألا يفتح حقيبتي دون إذني
نسيتُ للحظةٍ أن الخصوصية كلمة لا معنى لها داخل البيت
لا أخاف أن يقرأ خطابات الغرام التي لم يرسلها أحد أو أن يجد تفاصيلاً نسائية محرجة
فكرت أنني لا أرغب في أن يفتح حقيبتي .... فقط

تظنٌّ صديقتي أنها تحبني مع ذلك تشعر بالعجز لأنها ضيقةٌ جداً،
لا تجد براحًا لذاتها ولا مساحة لي .

يقول صديقي: لا أحد يستحقُّكِ، وأنا أبتسم وأبكي في اللحظة ذاتها
أمي تملأ حجرتي بالكراكيب وأنا لا أفلح في إقناعها أنني أعيش هنا
قلبي لا يقاومني وأنا أملأه بالتراب كي أسد حفرةً عميقة نكأها حبيبٌ قديم

الثورة هي الوحيدة التي تحتاجني الآن
أرغب بالانغماس الشديد فيها حتى الموت
أريد أن أموت لأصنع حريَّة للناس تمنكهم من أن يفكوا أعينهم القديمة
ليروا امرأةً تشبهني لم يرد اسمها في كشوفات ( الزوجة المثالية)
ولم يأتِ ذكرها في كتب الأفكار الجاهزة عن العالم

جرعةُ الحياة التي يجب احتمالها لا زالت ممتلئة
خيط الأمل الذي أغزل منه عالمي لم ينفد بعد
لكنني لن أقول أي شيء،
سأحتفظ بالتفاصيل للشموع التي أضعها بجواري آخر الليل
كي أصنع رعبًا موازيًا للحقيقة.

إنها تجعل الليل حزينًا جداً لكنَّها تذوب على كل حال
تذوب غالبًا.


......



painted by: Andrey Remnev

....

السبت، 14 يناير 2012

من جولييت إلى جولييت

.







.

هذا الحب سيشفيه ببطء
صدقي نفسك، إنه يقاومك لأنه تعيس ويتألم
امنحي محبتك لله
أحبيه دون أن تكترثي بردود أفعاله
لا تنتظري منه شيئاً
وامضي قدماً .... امضي إلى الأمام

هذا الرجل يحتاجُكِ

يحتاجُ أن ينجح وأن يصنع مستقبلاً
كوني معه فقط كي يعبر هذه الدرجة بسلام
ثم راقبيه وهو يرفرف سعيداً في سمائه
وابتعدي

...
نوفمبر
2011


اللوحة دي من رسوماتي


......


......

الأحد، 8 يناير 2012

تقاطع مع فيلم Letters to Juliet

>









عزيزتي جولييت:


أرغب في لصق خطابٍ على جدران شرفتك
وأنا أعلم أنك ستقرأينه بطريقةٍ أو بأخرى
وسترسلين لي دعماً من هناك
من بلادك الممتلئة بالرجال الشغوفين
بلادك التي أرغب في الاستقرار بها والبدء من جديد

لا أحد يحرك مشاعري بخفة
لا يملك أي رجل طريقة للتأثير عليَّ مثلما يفعل روميو
لم يجدني في حفل بهيج مثلما وجدك حبيبك
لا أعرف متى تقابلنا؟
ليس بإمكاني تحديد المواعيد والأماكن
لكنني أذكر شمس الغروب على أحد الأسطح وهي تقسم وجهه إلى نصفين متساويين
أنا أسيرة عينيَّ يا جولييت، كل هذا الجمال يحرك قلبي ببطء
لقد انتهى الأمر منذ سنوات،
وانتهيت من سرد حكايته كي أحتمي بها ضد كل هذا الضياع الذي يحيطني
في كل مرة أحكي فيها حكايتنا يتمنى رجلٌ أن يجد امرأة تنطق اسمه بكل هذه الرقة،
وتمتليء عيون النساء بالشغف
في كل مرة أحكي فيها عن حبيبي
كانوا يخبرونني أنَّ الخيال يثقب قلبي وأنني أخترع كل هذه المشاعر
ثم لا يعرفون كيف يقنعونني أن حباً من طرف واحد ليس حباً على الإطلاق
إنه محاولة لإيذاء الذات فقط

أنا أكتب يا جولييت وأحاول نسج حياتي ببطء
أمتلك بلكونة تطل على السماء فقط .... لاشيء أكثر
أعاني أحياناً من الحياة لكنني دائمة الثقة في المستقبل

المسألةُ أنَّ شحنة موجبة بمفردها مهما كانت درجة قوتها لا يمكنها اصطناع الكهرباء
لا يمكنني أن أختلق قصة حب بين شخصين
لو كنت أستطيع كنت سأخترع واحدةً آخرى لتدفئتي الآن
لم يكن حباً من طرفٍ واحد لكنني لا أفهم ماذا حدث لنا معاً؟
لذلك أخبر الجميع أنه لم يكن يحبني
الحقيقة مؤلمةُ جداً لأنني لا أعرف
لماذا تخلَّى عن حبٍ بمثل هذا الجمال؟
الأقل إيلاماً أن أقتنع أنه لا يحبني وأنني أسرف في الخيال

لماذا أكتب لكِ وقد انتهى كل شيءٍ تقريباً؟
أكتب لأعتذرعن حماقتي
لم أكن شجاعة لأذهب إليه مرة أخرى كي أفهم
لقد تأخرتُ كثيراً وحينما وجدته في النهاية
كان ممروراً جداً وممتلئاً بالألم، ويرغب في الانتقام مني لأنني كسرت قلبه
اخترتُ أن أصدق -مرَّةً أخرى- أنه لم يحبني
لست في مثل شجاعتك أبداً.


لقد تجاوزته تماماً بعد سنواتٍ قليلة
وأحببت كثيرين لكنَّ قلبي لم يعد صالحاً للعزف
الموسيقى توقفت هناك، هذه الطبلة لم تعد تعمل، صارت مكتومة الصوت
أفكر أحياناً – أنا أفكر كثيراً جداً في الواقع أكثر مما يجب ربما –
أنَّني كنت صغيرة التجربة وأنَّ خُدعةً ما أثَّرت عليَّ بقوة
وأن الظروف التي كنت أمر بها مهدت لوقوعي في هذا الشرك

أراه أحياناً وأسخر من نفسي
كيف استطاع هذا الرجل الضعيف أن يفعل بي كل هذا؟

كلَّما رأيته
يقاومني
يغادر المكان
لا يترك عينيه ترتاحان داخل عينيَّّ
يتجاهلني
كان الألم هو عنوان الصدف القليلة التي تجمعنا معاً
لماذا يقاومني بكل هذا العنف؟
لماذا يقاومني أصلاً؟

حاولت بقوة تشويه صورته داخلي
أنا ذكية جداً في خدش الذكريات وإعادة طلائها مرةً أخرى
لقد توقفت عن رؤية جماله تماماً
ونسيت أمر قلبي الذي لايدق بكامل قوته
ورضيت بالبقاء مع الشغف الهزيل الذي أجده دائماً يحوِّم حولي
أنا كبيرة بما يكفي لإنجاب الأطفال والاحتماء من العالم داخل بيتٍ يخصني
سأتزوج من رجل حنون فقط ... يكفى كل هذا العبث

لكنَّ الحياة لم تجمعني برجلٍ حنون يرغب بإكمال حياته مع امرأةٍ لا يدق قلبها
لقد قابلتُ روميو مرَّةً أخرى
وجدته أو وجدني لا أعرف

آه يا جولييت
إن قلبي يدق بقوة وكمُّ الاشتعال الذي يحدث داخلي غير قابل للإنكار
إنني أقع في حبه مرةً أخرى وأنتظر أن يتكسر قلبي المكسور أصلاً
لقد توقف عن مقاومتي
أعرف هذا من عينيه التي تتعلقان طويلاً بي
ومن أصابعه التي تترك كفي بصعوبةٍ في المصافحة
لا أصدق أن بإمكاني أن أمتليء بكل هذا الشغف
لكنَّ نوري يتألق في وجوده ويملأ المكان


يا جولييت الشجاعة
أنا خائفةُ ولا أعرف ماذا سيحدث؟
لا أعرف ماهو السحر الذي يمارسه معي
فأتحول هكذا في دقائق من امرأة كبيرة ومتعبة لا تستطيع المشي طويلاً
إلى شابة صغيرة جداً تطارد روحها مثل فراشة
كيف يعكسني بهذه القوة؟
كيف يجعلني أشعر بنفسي هكذا ... أجمل مما أستطيع أن أحتمل أو أصدق
لقد فشلت في اكتشاف أي شيء

أنا ما أنا عليه
أحترق بتفاصيل صغيرة لم يكتبها أحد ولا أعرف إلى أين تذهب قدماي

.......




كل الشكر لزهرة الخياط اللي كانت السبب المباشر في كتابة الجواب ده

....
Letters to Juliet


Painting by: Philip Hermogenes Calderon


...

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

من غير كلام

>







.

مش عايزة أكتب أي حاجة مع إن فيه حاجات كتير تتكتب
عايزة أرجع أتعلم إزاي مقولش اللي جوايا بعد ما قضيت نص عمري بتعلم إزاي أقوله
كان فيه نص طويل مكتوب في الكراسة وعايز يتنشر عن २०११ وعمايلها واللي حصل منها
بس معنديش رغبة أخرجه للنور
مش مهم
حاسة إنه مش مهم وبس

عايزة امسح كل اللي اتكتب دلوقتي واكتب كلمتين بس

ربنا موجود



.........


الخميس، 8 ديسمبر 2011

من غادة التي لا تجد أحدًا في هذا العالم إلى غادة التي تصنع العالم بدأب

.






.
أحتاج إلى الأمل
أنا تقريبًا في قعر البئر الجاف الذي يسمونه حياتي

أكتبُ لنفسي لأنني جربت الآخرين ولم يتحملوا مشاعري
الناس ترغب بالدفء والطاقة والأمل
وأنا أوَزِّعُ كلَّ ما أملك يوميًا وأعود إلى البيت مرتجفةً من البرد

الأولاد يحتاجونني كي أنصحهم كيف يحبون حبيباتهم
وأنا أرسم لهم العالم الملون الذي أراه سيتفتحُ قريبًا

ولا أخبرهم أنني أفيض عليهم من خيالٍ لم يتحقق قط
البنات يلقون رأسهم على كتفي
ويحكون عن الرجال الذين يحبونهم

وأنا أخبرهم ألا يخفن أبداً وأن يثقن في المستقبل

لا أحسدُ كل هؤلاء الواقعين في الحب من حولي،
لكنني أخجل من أن أبكي أمامهم من الوحدة


اليأس يزداد سنتيمترًا واحدًا كل يوم

كلُّ يومٍ يعلو قليلاً
وكل ورود الأمل تذبل بمعدلٍ ثابت

كل حصون الخيال تتهاوى أمام الأسى

كلُّ هذا الموت يحدث بالقرب مني

كنتُ الأولىَ بالموتِ في الميدان يا رب

لن يتكسَّر قلب رجلٍ لأجلي أو يصاب طفلٌ باليتم
لماذا اخترت آخرين وأحرقت قلوبًا كثيرةُ في الطريق؟

أخاف من الألعاب النارية التي تنفجر في السماء
يخذلونني
يخذلونني

يخذلونني

أُغرس في طين التعاسة
أحلامي تمتلئ بالسعادة مقطعة الأوصال
والبهجة التي تنزف

القطة التي تئن الآن أصابتها عربةٌ مسرعة
إنها تئن بقهر
أعرف هذا القهر وهذا الألم الذي لا يمكن احتماله


مريضةٌ ويائسة في بئر حياتي الخالية من الحنان
مررتُ بكل هذا من قبل
لكنِّني لم أفقد الأمل

أيتها الغادة التي تحاول دائماً
أحتاجك جداً

..........


من رضوى التي يتجمد قلبها ببطء
من رضوى التي يتجمد قلبها ببطء
إلى غادة التي تظن ألا أحد هناك




.....

اللوحة للفنان: فان جوخ


...





.....

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

لمَّا كنت بلطجي - محمد العتر ( وإيه بقى اللي وداهم عند محمد محمود؟)

.








أُقر أنا محمد السيد العتر،
طالب بكلية الإعلام أنّي بلطجي،
وأني شاركت في معركة محمد محمود ضد قوات الأمن



(1)


بدأت حكاية تحولي إلى بلطجي ، حين سمعت عن ما حصل لأهالي شهداء ثورة 25 يناير،

الذين كانوا معتصمين في صينية ميدان التحرير.
عرفت عن ما حدث من سائق تاكسي .. أخبرني أن قوات الأمن هاجمت أهالي الشهداء " العواجيز " دون سببٍ يُذكر، وأخبرني - على الرغم من أنه سائق - أن الأهالي لم يسببوا باعتصامهم أي أزمة مرورية، ثم أكمل: مش فاهم ليه الداخلية ضربتهم ؟

بدوري كإنسان شعور البلطجة لديه يتنامى
قررت النزول والتحول النهائي لبلطجي،
كان عدد المتواجدين في الميدان عشرة آلاف بلطجي
كلهم قرروا أن يعتصموا وأن يمنعوا قوات الأمن من دخول التحرير.

لم أكن وحدي، كنت واثنين آخرين،
وهما البلطجيين محمد بلال، وهو مهندس، والبلطجي الثاني هو عبد الله كمال، وهو صحفي ومترجم.
فور شعورنا بإحساس البلطجة قررنا أن نتماهى داخل ذلك الشعور وأن نعزز من انتمائنا للبلطجة فذهبنا إلى شارع محمد محمود،
وتفاجأنا بعدد كبير للغاية من البلطجية يقذفون الحجارة على قوات الأمن،
فشاركناهم قذف الحجارة، وشممنا ما يكفي من غازات القنابل المسيلة للدموع واللعاب والروح.
صديقي البلطجي المهندس محمد بلال أغمى عليه، وأنا كدت أن يغمى عليَّ.
قررنا العودة إلى المنزل على أن نعيد مزاولة البلطجة في الغد.




(2)


كان مساء يوم الأحد، قابلت أنا ومحمد بلال صديقنا عبد الله كمال،

كان وجهه مشوهاً بسبب الخرطوشة التي أخذها في وجهه ليلة أمس بعد أن تركناه.
بالطبع ولأن عبد الله كمال بلطجي
فقد قرر على الرغم من إصابته أن يعود مرة أخرى إلى محمد محمود وهو يقول: " وإيه يعني .. ده أنا مت موتات أحلى من كده بكتير ".
صدقوني إحساس البلطجة لا يفوقه أي إحساس.

خضنا معركة قوية في شارع محمد محمود، نكر ونفر،
نقذف بالحجارة فيردون علينا بالقنابل المسيلة للدموع والخراطيش،
وطوال الوقت هناك الكثير من البلطجية المصابين حولك ، يُنقلون إلى العيادات الميدانية.

تكرر مشهد الدماء كثيراً لدرجة أنك كبلطجي ينتابك بين الحين والآخر شعور حقيقي بالرغبة في اللحاق بهؤلاء الذين سبقوك إلى السماء.

في الأوقات التي كنت أختنق فيها للغاية بسبب الغاز

لم أكن أرتعد أو أخاف كنت على يقين طوال الوقت أن هناك العديد من البلطجية من حولي
والذين لن يتركوني أموت وحيداً على الرصيف،
طوال الوقت هناك من يسعفك بالخل ، أو بخليط الماء والخميرة.
في هذا اليوم رأيت بلطجيا مصاباً برصاصة في رقبته، وآخر مصاباً في بطنه،
وشاهدت لأول مرة العديد من البلطجيات،
كنّ يتقدمن في الصفوف الأمامية يحملن لنا الخل والخميرة، والكمامات، والقطن.
تركنا الميدان يومها وعدنا إلى المنزل لنعيد الكرة في اليوم التالي.





(3)


كان يوم الاثنين .. خرجنا سويًا نحو الميدان،

وفي شارع محمد محمود كان البلطجية يُصلُّون العصر، فصلينا معهم العصر.
أمامنا كان صف من البلطجية الآخرين الذين كانو يحموننا
من أي محاولة غدر من قوات الأمن التي كانت قد أعلنت الهدنة.

لم تستمر الهدنة طويلاً،
ففي الركعة الثانية بدأ إطلاق الذخيرة بكل أنواعها من قبل قوات الأمن،
أنهينا الصلاة .. أنهيناها وكلنا نبكي، لا من الخوف ..
في الحقيقة كنا نبكي لسبب ما لم نكن نعلمه،
وأظن أن جميعنا لم يهتم لمعرفة السبب ،
أو قرر أن السبب يفوق قدرته على استيعابه.
ربما كنا نبكي من الخوف، وربما كنا نبكي لأننا لم نلحق بالذين سبقونا نحو السماء ..
وربما كنا نبكي لأن لا شيئ يدفعنا إلى تهافتنا هذا على الموت، وكنا لانزال نتهافت.

وقتها كانت كل الأسباب والتفسيرات غير مهمة،

أو أنها كانت فوق قدرتنا على استيعابها.
الشيء الوحيد الذي كنا نعلمه، بل كنا على يقين منه هو: اللهم إنا مظلومون فانتصر،
وكان هذا هتافنا فور أنهينا الصلاة.
تقدمنا فوراً إلى الصفوف الأمامية،

لم يكن في الأمام سوى القليل من البلطجية
كنتُ واحداً منهم،
تقدمتُ .. أمسكتُ بحجرٍ وألقيته .. لم يصبهم،
أمسكت بالآخر وألقيته .. لا أعلم إن كان أصابهم أم لا،
وكنت في كل مرة أركض إلى الأمام حتى أصبح وحدي أمامهم،
أُلقي بالحجر وأعود وأنا على علم بأنه يمكن في أي لحظة أن أسقط مدرجاً بالدماء،
ولكن دافعاً ما قوياً جعلني لا أرتعد.

أتقدمُ مرتين وثلاثة وأرمي بالحجر فيصيبهم أولا يصيبهم .. لا يهمني ..
ولا أعلم في الحقيقة ما كان يهمني وقتها،
كل ما كنت أعلمه وقتها أن الله مطلع علي وهو راضٍ عني،
ولعلي سأقابله لا بشيء إلا بذلك الموقف.

ربت عبد الله كمال صديقي البلطجي على كتفي،

وتقدم للأمام، فتقدم من خلفه البلطجية.
عبد الله لا يجيد رمي الحجارة، وعلى الرغم من ذلك لم يترك المقدمة أبداً،
وكان وجوده بجواري يبعث إليَّ بالطمأنينة،
وكان البلطجية إذا ما فرّوا من الرصاص أو الغاز
كان يقف أمامهم وهو يصرخ فيهم فيعيدهم إلى مواقعهم في الصفوف الأمامية.

أُصيب عبد الله يومها في رأسه .. فجأة اختفى ثم عاد وعلى رأسه ضمادة،

فسألته عنها ليجيبني: نيران صديقة.
وهو مبتسم ولا يزال يكرر: مش هممني يا ولاد الوسخة .. أنا مت موتات أحلى من كده بكتير .

كان طوال الوقت هناك فتاة في الأمام .. أعرفها جيداً،

وقابلتها عدة مرات لكني لا أتذكر اسمها،
ترتدي ثوباً أسود وتلثم وجهها بشال فلسطيني،
لم تبرح الصفوف الأمامية،
حتى لما كنا نحن الشباب نفر من ويل القنابل والرصاص والخراطيش،
كانت تظل ثابتة تبحث عن مختنق أو مصاب.

وكان هناك سيد عجوز ضخم، ملتحي، ويرتدي ثوباً بنياً،
يقف في الأمام ويمنعنا في الفرار من المعركة، ثم يحمسنا، ثم يلتحم معنا في خط المواجهة.

بلطجية الأولتراس كانوا دائماً ما يرفعون من روحنا المعنوية بهتافاتهم ..
وظهورهم كمجموعة منظمة يركضون إلى الأمام يشاركون في إلقاء الحجارة وأحياناً الملوتوف،
ثم يعودون مرة أخرى ينظمون أنفسهم، ليعيدوا الكرّة.

عرفنا أن قوات الأمن حاولت الالتفاف من شارع باب اللوق،
وأن معركة حامية الوطيس تدور هناك، والعديد من المصابين سقطوا، فلحقنا بها.

هناك أُصبت برصاص مطاطي أو خرطوش لا أدري،
ولكني أتذكر أصوات ارتطامها وأني شعرت بها تصيبني في فخذي.

افترقنا أنا وعبد الله كمال ومحمد بلال بسبب الكر والفر،

وقابلت عبد الله ... عبد الله ماذا ؟ لا أدري ،
ولا أعرف عنه أي شيء آخر سوى أننا تقابلنا وتعرفنا أيام اعتصام الثورة لأولى
تقدمنا سوياً ثم افترقنا بسبب الذخيرة التي كانت تُطلَق علينا
عدت أنا إلى الخلف وفقدته،
لأراه بعد لحظات محمولاً على دراجة نارية ورأسه كلها مغطاة بالدماء.
لا أدري ما حدث له،
ظننته استشهد فبكيت .



عدتُ إلى قلب الميدان وقابلت محمد بلال وعبد الله كمال مرة أخرى،
وظللنا بعض الوقت في قلب الميدان.
وهناك أوقفنا شخصان تعرفا على عبد الله كمال ..
لقد كانا من المصلين في الجامع الذي وقف فيه عبد الله كمال يوم 28 يناير يخطب في الناس بعد الصلاة : سيد الشهداء جمزة ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه .. فقتله.
خرج يومها بمظاهرة عددها 100 ألف في شبرا، كانت بدايتها الجامع الذي خطب فيه الناس .


افترقنا مرةً ثانية أنا وبلال وكمال؛ أنا وبلال ذهبنا لشراء أدوية للمستشفى الميداني، وعبد الله قرر أن يبقى .

بعد ساعتين أو ثلاثة جاءني اتصال من موبايل عبد الله، والمتحدث هو أسامة -الذي لا أعرفه- أخبرني أن عبد الله مصاب، وهو في مستشفى القصر العيني .

تذكرت كل الشهداء الذين قُتلوا أمامي في محمد محمود، تذكرت الذين فقدوا أعينهم في باب اللوق،
تذكرت صديقي الذي غطى الدم رأسه كله،
ثم تذكرت عبد الله كمال وهو يبتسم ويقول: "أنا مت موتات أحلى من كده بكتير"
وبكيت.


في الحقيقة لم يخفف عني ألم الخبر وصدمته إلا عبد الله نفسه،
حين ذهبنا إليه في المشفى كان لا يزال في الاستقبال الرصاصة لازالت في ساقه،
وجرحه لازال ينزف، وظهره أيضاً ينزف، وساقه متورمة ومصابة في أماكن مختلفة ..
وكان يضحك .

"ولاد المرة قعدوا يضربوا عليَّ خراطيش ورش حتى بعد ما اتضربت بالرصاصة في رجلي وكنت بزحف
والناس كلها تخلت عني "


لم أستطع البكاء، على الرغم من أنه الوقت الأنسب لذلك ،
لكن سببا من تلك الأسباب التي لم أفهمها منعتني عن البكاء






(4)


كان يوماً ملحمياً، بل كلها قصة ملحمية.
تعرفت على نفسي أكثر في ذلك الوقت، وأدركت جيداً أنني أحب الحياة، أكثر مما كنت أتوقع.
لم أدعُ الله أن يرزقني الشهادة، ولكن كنت أرجوه أن يحسبني شهيداً إذا ما شاء أن أموت .


لازالت صور الموت تؤثر فيَّ، ولكن وبعد تلك الملحمة ازداد تأثيرها.
وأدركت جيداً أن لاشيء أياً كان يبرر التعامل مع الإنسان على أنه غير ذلك .




أقرّ أنا محمد السيد العتر.... إنسان
أنّ شيئاً ما فيّ تغيّر للأبد، بعد ملحمة محمد محمود، وإصابة صديقي الأعز وأخي وملهمي عبد الله كمال.


........
محمد العتر - ديسمبر 2011





ملحوظة:


هناك أشياء لا تحكى من ضمنها ما حاولت جاهداً أن أحكيه هنا، وأنا واثق أني فشلت في ذلك.
وهناك أشياء لم ولن أستطيع حكيها .

وهناك أشياء حين تكتبها يوجعك قلبك، وربما تبكي .. لا تعرف السبب ، ولكنك لا تخجل من بكائك






................

الخميس، 1 ديسمبر 2011

كل ما حدث قبل أن تشرق الشمس



.

.

1

الميدان يناديني، أذهب وأنا مفعمةٌ بالأمل.
بعد ربع ساعة على الأكثر تنفجر قنابل الغاز باتجاهنا، أرتعش من الخوف وأجري
صديقتي تمسك يدي بقوة (متخافيش ياغادة ...متخافيش)
أجري والرعب يملأني مع ذلك أطلب من السيدة الأربعينية التي تجري جواري
أن تتوقف عن الصراخ لأنه لا شيء يحدث حقًا سوى أننا نجري فقط

الرجل الذي يعرج يبكي وهو يتمتم (جيشنا بيعمل فينا كدة ليه)
صديقه يحمله ويجري به وسط الجميع
أذهب إلى أقرب تاكسي بسرعة ، حذائي ينقطع قبل أن أركب التاكسي
أذهب للبيت بدموعٍ لم تسقط
قلبي يغرق في الخوف، أتابع ما يحدث كي أطمئن على أصدقائي الذين تركتهم هناك
كل هؤلاء المعرضين للموت أو لفقدان البصر


2

إخواتي مش جدعان على فكرة ولا أنا كمان جدعة
كلنا بايتين في البيت والناس بتموت في الميدان
إحساسي بيتضرب بالنار
محمود وعبدالله اتمسكوا في التحرير
صديقي المهم مش بيرد ع التليفون
والتاني اللي اتأكدت إنه فلول رسمي أهم حاجة عنده الانتخابات
أمير بايت في الميدان
كل السياسين بلا استثناء أثبتوا فشلهم،
ولا حد فيهم بات ليلة واحدة ع الرصيف مع الثوار

ولا واحد ... السياسة لعبة وسخة


3

في محكة عابدين عدد المخبرين يتكاثر
أقابل صديقي المحامي الذي يدافع عن المقبوض عليهم من الميدان
أذهب إلى محكمة مصر الجديدة بالمترو
في المترو أقابل صديقتي التي تضع وجهها في الأرض خجلاً مني
أم عبدالله ومحمود تنهار داخل حضني وتبكي
أجلس وسط الكثيرات اللاتي ذهب أبنائهن إلى السجن،
يبكين ويحلفن أن أولادهم ذهبوا إلى هناك للفرجة فقط

أحكي لهم مايحدث في الميدان
وأنجح في إقناعهن أن أولادهم أبطالٌ وأنهم أحسنوا تربيتهم جداً

الابتهاج يتدفق على سلم محكمة مصر الجديدة
أم أحد المسجونين تضحك وتبدأ أختها في حكي تفاصيل قديمة لثأر بعيد مع الداخلية
تضحك وتأكل للمرة الأولى منذ أن سمعت خبر القبض على صغيرها
تتصل بجارتها وتقول: (كل الممسوكين معاه ولاد ناس وإخواتهم جايين بلبس الجامعة
دول ناس محترمين أوي)
أحببتُ هذه المرأة وأحببتُ صديقتي الجديدة (رزان)
التي أظهرت شجاعة وثبات في موقف تتعرض له للمرة الأولى

أشعر بالاكتمال هنا، قدرتي على الحب تشفي الناس من الغضب وتعيد الابتسامة إلى عيونهم
أشعر بالتحقق والتناغم ... أنا في مكاني أيها العالم الذي يمتلىء بالأسى


4

(قول ما تخافشي .... المجلس لازم يمشي)
أغني أمام براد الشاي الذي يغلي وأنا واثقة بنصر الله القريب

5

أشاهد جنازة الشهيد فأنفجر في البكاء أمام كل الناس
المسافة تتسع بيني وبين الجميع
الألم يتغلل داخلي ببطء
لا أستطيع الوقوف من التعب، ولدٌ لا أعرفه يمد يده لمساعدتي
أشعر بالامتنان للعالم
الثورة تستمر والموتى يتساقطون كل يوم
الموت في الميدان أشرف من الموت في الطريق العام أو تحت المترو أو في الزلزال
أيها الشهداء، أريد أن أشارككم الاحتفال في السماء لكنني أجبن من أن أذهب لخط النار
أجلس وسط الميدان كي أزود العدد ... وكي أطمئن

6

نزيف المشاعر يتدفق
أنظر إلى أرض الميدان وأري الدماء .... الدماء حولي في كل مكان ولا أحد يراها سواي
أجلس تحت النخلة الجميلة وأنظر للسماء بأمل
الميدان يحول كل هذا الموت إلى مزيدٍ من الحياة
الألتراس يحتفلون بالحرية

7
صديقتي الاإسكندرانية تقول أنها تتمم على صفحتي كل يوم كي تتأكد أن شيئاً لم يصبني
تلمس قلبي وأنا أكتشف أنَّ سلامتي تعنيها إلى هذه الدرجة
السفر يناديني، وأنا سأذهب في المرة القادمة غالباً
أجلس مع صديقتي، أريد أن أبكي حتى تنتهي الدموع لكنني أكتفي بعينين تلمعان
أشعر بالهزيمة والدماء تتزايد .... شهيدٌ آخر ينضم إلى إخوته
غالبًا سنخذلهم جميعاً،
سنخذلهم

8

أقف في طابور الانتخاب مع الكثيرات
أذهب إلى الميدان وأنتظر بجوار المقهى
متعبةٌ ووحيدة أريد القفز في حضن أي شخص
لكنني لا أثق في الآخرين الذين ينفلتون مثل الزئبق في الوقت المناسب تماماً
طعم التراب يغزو العالم

....
20 / 28 نوفمبر










....

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

كسمكةٍ نائمة

>





.


أريدُ قليلاً من السكون
عددُ الأشياء التي تتصارعُ داخلي يتكاثر
كراتٌ شفافة وبلا إسم، مُغلقةٌ ومخيفة
تصطدم وتنفجر بقوة
كلُّ الاختيارات تؤدي للضياع
أقفز لإنقاذ حبيبي وأنسى أنني لا أتقن الطيران

فقدان الطاقة يمتد من قلبي إلى السماء
لا أحد يفهم أبداً

ليس بإمكاني مساعدة نفسي أبداً، لكنني أحاول إنقاذ الغرقى
سأنتشلك من البحر الميت، ثم أنفخ فيك من روحي
لن يفهم أحدٌ أنني نائمة بعينين مفتوحتين كسمكة

لا تخذلني أيها الجمال الذي يطرق بابي بحب
أيتها النبوآت ابتعدي عني، لا أريد أن أعرف
كل هؤلاء العواجيز يبتهجون بي وأنا أنخرط في السأم
كل هؤلاء الصغار يعجبونني وأنا أستعد للمغادرة

تفاصيل الحكاية تهرب مني
لن أنسى وأحبك للمرة الخامسة تقريباً
أحتاج إلى سؤال آخر
سأكون سؤال نفسي

لن يعجبهم انخراطي في العمل
ولا التفرغ للأسرة
ليس مسموحاً لي أن أريدَ في هذا العالم
مع ذلك
أريدُ
أريدُ

أريد






....

>> )painted by: Sergey लुक्यनोव)

.....

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

من هذه التي تظهر في المرآه يا أمي؟

.








.


أتفاجأُ أحيانًا بأنني كبرتُ بما يكفي لأختار حياتي
أمي لن تضربني إذا كسرتُ قلبي هذه المرة أيضاً
مثلما ضربتني حين كسرت أطباق المهلبية

لن يمكنني أن أختبيء خلف الباب
أنا كبيرة بما يكفي لأتحمل الصفعات المتتالية
بابتسامة أدفع ثمنها بالتقسيط

أنا كبيرة إلي درجة أن بإمكاني غلق باب البيت ورائي
دون أن أعود لفتحه مرةً أخرى

متى حدث كل هذا؟

أتفاجأ بأنني أطول من أمي
وأنني لا أعرف الطريق
مع ذلك أمشي دون أن أتوه
أو يخطفني الأشرار




....