الثلاثاء، 6 مايو، 2014

أنسي االحاج ونوافذُه المضاءة بعد الغياب العام

.


.





لا أعتقد أن الشعراء يموتون أبدًا، الشعر يحتفظ بأرواحهم داخل العالم، ولا يسمح لنا بالنسيان. كنت أتابع مقالات أنسي الحاج في الأخبار بانتظام وأجد ما يكتبه هناك قريبًا إلى قلبي ومدهشًا أيضًا.
في مقال أنسي الحاج المنشور في جريدة الأخبار بتاريخ السبت 28 ديسمبر 2013 ( ملامح امرأة صاعدة) وجدت نفسي بين سطوره، وفكرت كيف يمكن لشاعر لم يعرفني أبدًا أن يأتِ بي إلى سطوره بكل هذه الدقة.

"بخل العواطف يُقوّي. إنّه فولاذ الروح، ترْس القلب. لا شيء يخترق هذا الحاجز. لا الحاجة ولا الحبّ. قد تخترقه الشفقة لحظة وسرعان ما يهبّ النسيان"

رهاني على الشعر يكمن في قوة اتصالة بالآخرين، وفي قدرته الفائقة على رصد دواخلنا ومشاعرنا، وكل ما نخفيه حتى عن أنفسنا.
هذا الكشف عن كل ما يجب إخفاؤه يحررني من الضياع داخل وحدة عميقة، ويهمس لي أن هناك امرأة أخرى بصمتها تشبه قلبي، مرت من هذا العالم، وتركت أثرًا داخل شاعر استطاع أن يكتبها في كلمات تتماس معي.

حينما أقرأ أشعار أنسي الحاج – أغلب ما قرأته من المواقع الإلكترونية- ألتقط مقاطع صغيرة تعجبني، مثلما أفعل مع كل الكتب والدواوين التي أقرأها. أبحث عن نفسي داخل كتابات الآخرين وأفرح كلما وجدتني هناك.

"الشمس تشرق في جسدكِ
وأنتِ بردانة
لأن الشمس تَحرق
وكلّ ما يَحرق هو بارد من فرط القوّة"

في الشعر لا أطارد المعني داخل النص، النص الذي يشتبك بمشاعري فقط هو الذي يجبرني على الاحتفاظ به داخلي.  أشعار أنسي الحاج تتصل بي في بساطة مدهشة، وتصنع حوارها الخاص معي، وتخبرني عن أشياء أعرفها جيدًا، ولم أتمكن أبدًا في صبها داخل الكلمات.

"من كان يعرفك فغدًا لن يعرفك
ستُصبحين أُمّاً لجميع الأشياء وبهدوء تتَّجهين نحو
جسدك"

تشتبكُ بي كلمات أنسي الحاج، وأتذكر ما أعرفه عن بصيرة الشعراء، وطريقتهم في اختراق أعماق الآخرين، والدفع بها إلى سطح الورقة، عبر كلمات تحتاج إلى قاريء يستطيع أن يتجاوب مع لحنها الخاص.

"أعجز عن حماية نفسي من أحلامك. أعرفك قليلاً
أيّتها القارئة الجميلة، أنت خليلتي وأُختي. أعرف قليلاً
كيف تُمسكين الكلمات من خصرها، وتعصرين،
تعصرين"

سحر الكتابة بلا شطآن، فكما يعرف أنسي الحاج كيف يتسلل إلى أعماقنا، فإنه يتنبأ بقدومنا إلى عالمه الخاص وإلى كل ما ترك لنا من أشعار ومقالات وكتابات حية ستظل تخاطبنا، وتعيد صياغة علاقتنا بالعالم دائمًا.
.........

غادة خليفة

2014



...
نشرت بمجلة الشعر
ربيع2014


...