السبت، 29 ديسمبر، 2012

قبل ديسمير ما يخلص







بقالي شوية بهرب من كتابة الكلام دا
شوية كتير الصراحة لأنه السنة اللي عدت عايزاني أكتب نص طويل كئيب عنها مفيهوش أي نور ومليان عديد ونواح على كل الناس اللي خسرتهم فيها
بس هي مش طالبة وجع قلب الصراحة
وأنا اصلاً بقبل
أو ابتديت أقبل أو أتكيف أوأتلائم مع اللي بيحصل بقاله شوية
المهم يعني لو شيلنا شوية أوجاع الفقد والافتقاد وخليناهم على جنب
هنلاقي فيه براح أكتر ومكان واسع وفاضي ولسة مستني الزرع اللي هييجي


ورد هي أحلى حاجة حصلتلي في 2012
وصاحبي اللي بيقنعني إنه كمية الأبواب المفتوحة أكتر بكتير من الأبواب اللي اتقفلت أو اختفت جوة الحيطة
كل ما حاجة جديدة حلوة تحصلي أقعد أضحك وأقول كان عندك حق والله

السنة دي جاتلي هدايا مميزة جداً
أغلاهم هدية جاتلي ع الهوا من غير مناسبة وفاجئتني جداً وغيرت مودي لدرجة كإنها حطت فيشة الكهربا فالمكان اتملا نور
أيوة الهدية نفسها مش مهمة … المهم أثرت عليَّ إزاي


كل يوم بتأكد من عمق المسافة اللي بيني وبين الأفكار اللي عايشة بقالها كتييير في المجتمع دا
وبتأكد إنه كل الأفلام المعتمدة والمؤكدة والمصدق عليها من الخبراء كلها لا تعنيني في شيء ولا تشبهني ولا ناوية أشارك فيها بأي طريقة
واحدة صاحبتي قالتلي: لازم تخسي شوية وتهتمي بنفسك أكتر من كدة الرجالة بيحبوا بعنيهم الأول
وأنا أضحك … أضحك جامد
ميلزمنيش … كل دا مش عايزاه
إن شالله ما عنه عجبهم المهم هما يعجبوني أصلاً
واكتشفت ساعتها إني متأكدة إني ست جميلة
ودا اكتشاف عظيم الصراحة
أول مرة آخد بالي إني واثقة من نفسي
إدراك مهم … صحيح متأخر بس مهم


لسة بدور على شغل ثابت
مش بإخلاص كفاية 
لأنه الوقت اللي بيتبقى من غير أنفلونزا واكتئاب مش كتير الصراحة
علشان كدة بانبسط فيه على أد ما أقدر

النهاردة كنت بلف في مدونة واحدة صاحبتي واكتشفت كم التشابه اللي بينا
مش بيني أنا وهي لأ بين كل البنات وبعض
إيه ممكن يفرحهم وإيه ممكن يطلع عينهم والمساحة الواسعة المقفولة ومليانة حاجات ملزوق عليها ورقة حمرا مكتوب فيها ( ميصحش يتقال)
مع الوقت مبنعرفش نجاوب على سؤال بسيط زي …. مالك؟
أو سؤال عادي زي ……. انتي حاسة بإيه دلوقتي؟

في العادي مش بحكي التفاصيل لآخرها جوايا
بس لما حكيت اتورطت في الرغبة بتكملة الحكي ومرة بعد مرة بتقربي وبعدين بتلاقي نفسك غرقانة في بحيرة واسعة من الرقة وتفتكري إنك عمرك ما عرفتي تعومي أبداً
.
.
هو أنا كنت عايزة أقول إيه لما ابتديت كتابة
لأني تهت
خيط المشاعر جوايا اتقطع


أيوة
أنا بكتب جوابات حقيقية غير قابلة للنشر ولا للوصول إلى المرسل إليه
يمكن أنشرها في يوم بعيد ويمكن ما تخرجش من الكراسة خالص
المهم أنا مبسوطة من الحدوتة دي لأني باتعرف على نفسي تاني من أول وجديد فيها

بما إنه اللي بكتبه دا مش عايز يخلص
دخلت ع المدونة في الــ3 ديسمبر اللي عدوا عليَّ لقيت نصوص آخر السنة دايمًا ضلمة وفيها خذلان ووجع وعتاب على وعود كتيييير طلعت فالصو
مش حاسة بكدة السنة دي
هي بتمشي وأنا مش عايزة منها حاجة
على العكس دا أنا مدينة ليها بحضن طويل 
ووداع يليق بسنة مليانة اكتشافات زيها


أنا بتغير وبفرح بالتغيير دا
برفض الاختيارات التعيسة 
ومبكملش جوا علاقات تسبب الكآبة وفقدان الثقة
وبامشي باتجاه المستقبل مهما كانت الخطوات دي مجنونة وخطيرة
المهم إنها خطوات جوة سكة طيبة وفريدة

بس كدة
J



...
الوش اللي فوق دا من رسوماتي







....






الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

زيت البنفسج




.


الرائحة تدورحولي أينما تحركتُ
أتذكر تلك الخفة التي غمرت روحي 
وهذا النوم الذي لا يشبه النوم
كنت سأنطق اسمك داخل هذا السكون
كدت أن تخرج من قلبي وتتجسد هناك

الولد يقبِّل كفي لأنني صدقت تمثيليته ... 
فقط لأنني صدقته استطاع أن يصدق نفسه
الجاذبيه تمارس عملها خارج إرادتي
أتحرك باتجاه أقرب كتف لي
سأسقط داخل حضن أقرب رجلٍ لقلبي ... 
داخل ذراعيك أيها المسافر

هشةٌ وممتلئةٌ بالعصير
أيها الطائر الذي ينقر أحلامي
لاترسم لي مسافات بعيدة ... قدماي تالفتان
أغلق كفك الرحبة على أصابعي المتعبة ولا تنطق


سآخذك إلى العراف
كي أتأكد من خيوط النور التي تلفنا سويَّا
أحكي عنك لولدٍ لا يعرف اسمك
فيهمس لي: كوني سعيدةً فقط

ألعن الصحراء والنجوم والقطارات
وأخبره أنني في كل مرة أصعد نفس الدرجات
دائمًا تذهب عند الدرجة الثالثة
ولا أعرف ما هو شكل العالم في الطابق الثاني


أعود إلى بيتي مفككة وخفيفة
مثل إسفنجة تم غسلها بعناية ثم جفت تحت الشمس 

سأكتب لك خطابًا جديدًا لن يصلك أيضًا
أحول الشغف إلى كلمات جافة
كل هذا الجمال أصبه داخل ماكينة الكتابة
هذه الطاحونة التي تعيش على دماء أطفالي
.
.
.
أنت لست هنا
كي أتصل بك الآن
وأغني





....

الأحد، 23 ديسمبر، 2012

عزيزتي زينب .... أكتب لكِ نصًا إنسانيًّا (2) - أحمد البحار








لم أستطع مقابلة صديقتى "كازبلانكا" طوال إسبوعين ، المواعيد مختلطة ، حدثتنى كثيرًا يوم الأربعاء ، يوم معركتنا مع الإخوان ، لم أجبها ، كنت أعلم بأن اليوم سيكون صعب ، أسلحتهم الآلية ستزيد الأمر سخونة.

لا داعي لتواجد الأصدقاء، لا داعى للقلق، أنا والمقاتلون سنكون أكثر سلمًا بدون القلق.
الإخوان فضو الاعتصام عند الإتحادية الذى لم أكن أؤيده منذ البداية،
لا أؤيد الاعتصام كطرح ثورى بشكل عام يا زينب .
فضو الإعتصام وهدمو الخيم وتعدو على النساء ، وضع وغد منهم يده على فم "شاهندة مقلد"....آه يا زينب ،
هذا الوغد لا يعلم من هى شاهندة مقلد وتاريخها النضالى الذى لا يضاهيه عُشر تاريخ الإخوان ، شاهندة مقلد قائدة قديمة لاحتجاجات الفلاحين يا زينب ومن الرموز اليسارية التى قاتلت وبشدة حتى استُشهد زوجها غدرًا .


المعركة تنتقل إلى الميرغنى ونحن نواجههم بشارع أبو النور أو ما شابه ، الإخوان يستقلو العقارات بالآلي ويطلقونه من الأعلى وأوغادهم من الأسفل بالخرطوش، والطوب والغاز ..
الإخوان إستخدمو الغاز يا زينب،
ونحن كنا قلة ، لم يأت الجميع بعد، المعركة كانت على غرة.

الضحك لا يغيب هنا أيضاً يا زينب ، فصديقنا الذى يؤيدنا بقلبه فى ثورتنا ولم يشترك فى أى معركة فى الثورة، علم بأننا فى معركة مع الإخوان، هاتفته وأخبرته بضرورة وجودة ، وأتى بالفعل ملبيًّا نداء الثوار.

أزمة وجوديه اعترته عندما شاهد أسلحتهم ونحن لا نحمل سوى القليل ، صعد البعض منا وأطلقو عليهم أسلحتنا ففروا إلى الخلف متراجعين.
تملك منه الأدرينالين ، ومسك ما ملكت يده وظل يجرى خلفهم إثر ما قام به أبطالنا ، وفجأة نظر حوله فلم يشاهد أحد منا بحانبه ، فألقى بسلاحه وعاد مهرولاً ، كنا نهاجمهم لنتمكن من الصمود ، لن نهجم عليهم بعددنا القليل هذا يا زينب .


أشاهد بعض أبطالي يرحلون، المعركة غير متكافئة ، الرحيل واجب ، هكذا قالو، لن أستطيع العودة مهزومًا يا زينب ، لن تنتهي هكذا ، عدنا للخلف منتظرين المدد ، ثم ذهبنا يمينًا هناك ، فى أقوى معارك الثورة منذ بدايتها ، فى أشرسهم على الإطلاق ، فى حرب الوجود لا التواجد ، فى معركة الخليفة المأمون.



معاركنا مع الداخلية تتميز بأنها فعل ورد فعل ، كل منا يفتك بالأخر لا لشيء سوى لإضافة جرح آخر فى نفس الأخر.
لكن تلك المعركة هى معركة وجود ، الكبرياء الثورى أمام الغشم الإخوانى ، نحن من خضنا المعارك طوال سنتين "وحدنا" ضد من أشبعونا بأساطير القتل

الإخوان أكثر عنفاً من الأوغاد يا زينب ، لم أشعر قط أننى سأموت فى أية معركة ، كنت أعلم دائماً بأنني ومن معى سنبقى للنهاية ، لن يتفوق أحد علينا فى حرب الشوارع ، فلقد واجهنا داخلية وجيش وبلطجية وانتصرنا عليهم جميعاً ، للشارع كرامة وكبرياء لا يعلمها إلا أبناؤه يا زينب .



عندما خطر لى الموت يا زينب ، سألت نفسى: هل تستحق تلك المعركة ؟ فكانت إجابتى بالإيجاب ، نعم تلك المعركة تستحق ، تستحق الموت والحياة ، عددنا القليل الذى لا يتعدى ثلاثة آلاف فى مواجهة عشرة آلاف منهم ، والفارق الرهيب فى الأسلحة.
نعم تستحق.
عندما فكرت بالموت ، تحررت من كل شئ يا زينب .
تحررت من المسئوليات والحياة والأصدقاء ، والأهل والحياة والموت والآلهة والشياطين والدين والجنة والنار .

أنا هنا فى معركة البداية والنهاية ، معركة الحق ضد الظلم ،
هنا سفر التكوين وغايته ،
هنا الخط الذى أقيم عليه كل شئ .
عندما تحررت من كل ذلك ، كنت حراً أكثر من أى مرة أخرى ، كنت فى سماء أخرى ، أقاتل وأنا "فاكك" ، وعلى خط النار كنت أغنى " طول عمرى باخاف من الحب ، وسيرة الحب"
للست مذاق آخر على خط النار يا زينب ،
كل هذا الدلع واللوع والشوق والحب توجه لحب الإنسان حينها ،
أعدت التفكير بكل علاقاتي ، جميعهم ، أعدت قراري بأننى لم أكن المظلوم طوال الوقت ، أنا أيضًا إنسان أخطيء وأجحف وأبحث عن سعادتي بأنانية وتطرف .
تسامحتُ مع كل ما فات على خط النار يا زينب، وأنا أقاتلهم .


بؤساء هم كيف سيهزموننا وهم يهتفون بكل هتافات التكفير والكره وأنا على الجانب الأخر أدندن للست وأتسامح مع نفسى ؟
الجميع من حولى مرابض ، الجميع مستعد للموت هنا .
فوجئ يومها الإخوان بأن إيمان الكفار كما يسموننا أقوى منهم بمراحل ..



سنتين من المعارك والإيمان والإصرار ليس بالقليل يا زينب ، فى اليوم الماضى كنت أول من دخل الكردون عند الإتحادية ، أفكر فى أن أكون أول من يصيبهم لتحميس الثوار مرة أخرى ، أسلحة فاسدة ، أصاب أنا بدلًا منهم يا زينب.
تحترق يدي وأنا أضحك على ما فعلته بمن حولي ،
أذهب إلى الأمام وأقاتل مع إخوتى ، يحدثنى صديقي بضرورة ذهابى إلى المستشفى الميداني لسرعة علاج ما أصاب يدى .

الجميع مصابون لماذا أذهب أنا ؟
نعم هو ذلك العند الطفولى ما يبقينا بالمغامرة من الأصل ،
بعد إلحاح أوافق وأذهب ،
كنت قد عملت تهدئة لرأسى وعقلي قبل الاشتباك حتى لا أتوتر وسط كل هذا الكم من الأسلحة .
أذهب لأستمع إلى نصائح لا تمت للحروق بشئ لينادو المسعف ، ليمسك يدى يتفحصها ، وأنظر فى وجه صديقى مؤنبه بأنه حرق عادى لا يستحق ، السُطل والإرهاق يسيطران عليَّ ،
يزعجنى صمت المسعف ، فأنظر إليه
لأجد من خلف السُطل ، سكارف فلسطينى وعينان وشعر متدلى ، إنكار شديد وهى تحدثنى "ده أنا .. ده أنا " ، غبنا عن الوعى تماماً وأقمنا دورعرض وقمنا بالأداءات جميعها ، خرج صديقى وبقية الأطباء من المشهد ،
وهى تكرر " ده أنا .. ده أنا "
إنكار شديد منى بكونها صديقتى "كازبلانكا"
لا يجب أن تكون هنا ، ولكنها الحقيقة ،
تضحك هى تظن بأننى لم أتعرف عليها ، الحق أننى تعرفت ولكننى ذهبت بالمشهد لمشهد أخر ، أود الهروب بها من هنا ، لكننى فى حالة غير سليمة ، تخبرنا بالذهاب إلى المستشفى فى شارع جانبي للعلاج ،
نذهب ثم أقرر عدم العلاج ،
لنعود مرة أخرى لخط النار .



لم يتوقف الضرب لحظة ، لكنه لم يخترق هذا المشهد السينمائى، القتال مستمر، الروح فى أقصى درجاتها ، يسألنى صديقى عن حقيقة المشهد السينمائى أخبره بأنه لن يفهم،
فى ذات اللحظة يخبرنى بأن الفتاة التى يحبها أرسلت له تحذره أن يموت ، فيسألنى عن الرد الذى سيرده عليها، أخبره "صارحها" ، يسألنى " دلوقتى" ؟
أخبره بأن أفضل أوقات الحب هو الثورة .
لم نعلن أنا و "نو" سوى فى أيام محمد محمود ،
هذا وقت الحب والجنون يا صديقى ،
يرسل لها ، لنعود للقتال ، وبعد هجمة وأخرى نفترق ،
قبل أن نلتقى على خط النار ليخبرنى أنها أخبرته بأنها هى الأخرى تحبه . 




يا صديقى الثورة حب ، فعلها صديقى ، أمر مبهج ، لنعود للقتال مرة أخرى لنجد صديقنا "حسام هلالى" قد استشاط غضبًا ليجرى بالطوب فى اتجاه الإخوان صارخًا بكل غضب ، أخبر صديقى بأن حسام سيقع وستسقط نظارته فيصبح ضريرًا فيخطفه الإخوان ، لنبحث عنه فلن نجده ولن نجد النظارة ، ونضحك مجددًا على حماسة هذا الثائر السودانى ، كنت أشعر برغبته بالإنتقام من حكم الإخوان فى العموم ، هو لا يستطيع محاربتهم فى بلده ، الآن ومع المقاتلين هو قادر على ردعهم .. لكن ماذا يفيد ذلك إن ضاعت نظارته ؟ ستظلم السماء عليه ولن يرى أو يشعر بشيء .


نقاتل من جديد ، قبل أن تصلنى رسالة من "كازبلانكا" لهاتفى " أنت إزاى معرفتنيش؟" ..
أضحك مجدداً ، مازالت لم تفيق من المشهد ، لم تسألنى عن يدى مثلما لم تخبرنى باسمها وقتها بل أخبرتنى "ده أنا .. ده أنا "
نعود من حيث أتينا ، قارب المقاتلين على دحر الإخوان وهو ما حدث ، لأعود إلى بيتى لأستمع لسيرة الحب مجدداً "طول عمرى بأقول" رائع هذا المقطع ..




نحن نحب ونخوض المغامرة رغم ما ألمنا منها يا زينب ، الموت يأتي حينما نفقد شغف المغامرة ، أي مغامرة ، ليس علينا أن نفكر بالنجاح أو الفشل ، نحن مجاذيب المغامرة ، مجاذيب الثورة ، علينا أن نغامر رغم أننا تألمنا ، نغامر لنبحث عن مساحة جديدة من السعادة لم نصل إليها بعد .
ذلك هو سبب وجودى ، المغامرة ، المغامرة حياة يا زينب ، الثورة مغامرة ، والمغامرة بقاء للشغف ، ومن ثم بقاء للثورة.



لم يفق الإخوان من غفوتهم عندما حشدو أفرادهم برابعة العدوية وصلاح سالم لمهاجمة الثوار ، تفوقنا عليهم وسقط منهم أكثر مما سقط منا ، لم أحب "منهم ، منا" قط .

أنا لا أحب المعارك يا زينب ، هم من إختارو طريق مبارك والعسكر ، هم من خانوننا وباعو الدم وقتلو جيكا ، منذ قتل جيكا فلا شرعية لهم ، ومرسى هو محتل بلا شرعية ، لا شرعية لقاتل شعبه ، لا شرعية لأى أحد يعادى الثورة .. لا أمل له.

جهزنا أنفسنا جيدًا فى هذا اليوم ، لم ينقذهم سوى كمائن الداخلية لهم فى الشوارع والقبض عليهم ، حينها علمو بأن الداخلية ليست معهم ،
الداخلية ليست معنا يا زينب فبالأمس كانت بين صفوفهم وفى مليونتهم فى الجيزة هتفو لها .
الداخلية لديها أزمة مع الإخوان ، أزمة لن تحل ، مرسى كان يشعر بالقلق عندما يجلس مع رئيس مباحث أمن الدولة قبل الثورة ، فى الوقت الذى كنا نهتف بسقوط مبارك .
أزمة مرسى والإخوان أن لا أحد يقدرهم ويحترمهم ،
بؤساء .. بؤساء يا زينب ، لن نتعاون مع أحد منهم ضد الأخر ،
الجميع أعداء .. لا فرق بين من يريد قتلى لأننى ثائر، ومن يريد قتلى لينفرد بالسلطة ويكفرنى ويطلق علي حكم الإعدام ، لا فرق .. كلهم أعداء يا زينب .. ليسو بمواطنين .


أنتظر كثيرا ولا يأت أحد ، سئمنا الإنتظار ، فأعود لبيتى ، لتخبرنى "نو" بأن صورة البروفايل أبدو فيها أجمل ، تعرضت "نو" للإصابة فى محمد محمود ، غصة فى الحلق لن تذهب لأنها كانت تبحث عني فى الأمام وقت ضربها ، نسهر سويًّا  لنتحدث عن ما حدث وما سيحدث ، نستمع سوياً لأحد الأغانى التى نحبها ، الآن هى آمنة ، نسهر حتى الصباح ، وآلام الظهر والرأس واليد وكل الإصابات تبدأ فى الأنين. 



مرهق للغاية ، أخلد للنوم ومازال صوت الست يتردد " وكل شئ وافق هوااك فى الدنيااااا ادى "
لوع رهيب تغنى به الست ، شوق وحب تملكا منها ، رغم الآلام فنحن نحب ، حتى ما فقدنا من شهداء وإصابات ، كل شيء ..
كل شيء له علاقة بتلك الثورة ، تحلقنا الست بذكاء المحبوب "أنا حبيته"
نحب كل شئ له علاقة بالثورة .. مهما كان صعبًا ، مجاذيب لا حرج علينا.




تسافر صديقتى "كازبلانكا" للإسكندرية ، بوصولها لمدينة الرب تندلع معركة بين الثوار والإخوان جراء حصار المحلاوى فى المسجد لدعوته الفجة للتصويت بنعم على الدستور وتكفيره لنا كما فعل مع المجلس العسكرى ومبارك ..
المحلاوى لا يتوب ، المعركة محتدمة بالإسكندرية ، الثوار مرابضون عند مسجد القائد إبراهيم ، والإخوان تراجعو عند مكتبة الإسكندرية ، نعم يا زينب الثوار عند المسجد والظلاميون عند المكتبة ، أرأيتي سريالية أقوى ؟

هل تشبَّع الخيال من سحل الواقع له ؟
أطمئن على صديقتي فأعلم بقلة الأعداد لأهاتف أصدقائي هناك لأعلم بذهابهم وباشتعال المعركة.
ترسل لي صديقتي بأنهم محاصرون والضرب احتدم .


لم أعتاد القلق فى المعارك يا زينب ، دائمًا فى المعارك ، نحن من نصنعها ونأخذ الخطوة الأولى ، القلق شعور بشع ، لا أتصور نفسى أخبر أحدهم "خلى بالك من نفسك ، أمشى من عندك وسيب المعركة"
لا .. الأمر صعب يا زينب ، أطالبها بالغناء لفيروز ، نختار أحد الأغانى ، وتغنى ، وأدعو أصدقائي للغناء ، لا يفهم أحد شيئًا ،

يتصورون أن فيروز هو ما طلبته زهرة الخشخاش ،
لكن هذا مطلب خط النار يا زينب ،
ترتفع أصواتنا ونغنى "وحدن" ، "رسمتك على المشاوير "
لأخبر "كازبلانكا" بغناءنا وأطالبها بالمرابضة والفتك الأوغاد .

أثق يصديقاتى ثقة عمياء ، بالأمس هى أصيبت بمعركة الخليفة المأمون، وبالأمس هاجم الإخوان وحاصر صديقتى الدكتورة شادية ، فى المستشفى الميدانى عند كنيسة البازليك ، شادية عادت من الخارج لتكمل معركتها بالشارع .
هى إحدى بلطجيات التحرير التي كانت تؤمن البوابات بالسنة المنقضية ، أفتخر بها دائما ، قاومت شادية واستطاعت الفرار ..


لستُ "فيمنيست" يا زينب ، لكنني أعشق الثائرات.
لم أنس قط عندما قامت أمى بمخالفة تعليمات الطبيب المعالج الذى حذرها من المشى لمسافات طويلة لأنها لم تشف بعد من إصابتها بالجلطة ، تمردت على تعليماته ، وعلى تربيتها العسكرية لأب ملحق عسكرى، ولأخ حاكم عسكرى، ولقيادتها بالجيش الذى نالت منهم بعد واقعة "ست البنات" ، نالت منهم وشاركت بمسيرة "حرائر مصر" رفضًا للفعل الدنس لأوغاد الجيش وللصمت المخزي لهذا المجتمع .
ثارت أمي وسقطت أسطورة المؤسسة العسكرية حامية الوطن ودرعه .. سقطت للأبد يا زينب .
وتحررت أمى بتحرر ست البنات .. تلك ثورة النساء يا زينب.



اقترب ميعادهم يا زينب ، الصدام آتٍ لا محالة ، الجميع ينتظره ، كما إنتظار جودو ، الشعب سيشارك تلك المرة ، لن يصمد الإخوان كثيرًا أمام الظروف الإقتصادية قبل صمودهم فى الشارع ، الجيش لن يتدخل فى البداية ، تلك المؤسسة الرأسمالية لا يهمها سوى مصالحها .
السلفية الجهادية لن تتدخل قط ، تعلم جيداً بأن دخولها بالمعركة هو نهايتها للأبد وهذا ما سيدعمه الجميع .
الإخوان فى موقف لا يحسدون عليه ، انكشفت ألاعيبهم وأكاذيبهم للشعب ، ذات النظام اليمينى المتعفن ، لن تجدى محاولاتهم ، الحديث عن العدالة الإجتماعية والإنتظار لن يجدِ مع الناس.
مرسى يكتب ومن خلفه الشاطر والمرشد نهاية الإسلام السياسى بمصر .. للأبد.
خروج الإخوان من (مصر) لن يكون بتلك السهولة ، هم يعلمون بأن مصر ذات البوابة التى إن خرجو منها ستبدأ مشاهد الختام فى الوطن العربى .. سيقاتلون لبقاءهم ..


هم المعتدون يا زينب ، لا معنى للحياد بين القاتل والمظلوم ، الحياد هنا قاتل ، فليتدبر كل منا صفوفه ومعركته ، لا أمل للبؤساء فى تلك البلدة يا زينب .. لا أمل.




عزيزتى زينب ، ذهبت لصديقى محمود لأكتب لك ما كتبت ، وطالبته بالمزيكا لأستطيع الكتابة ..
هل تعلمي ما كانت أولى الأغانى التى سمعتها دون ترتيب منى ؟ ..
"كيفك إنت" ..
نعم سامحَتهُ فيروز بالأغنية يا زينب لأنها أحبته ،
فيروز بحثت عن السعادة ،
فلا ضرار من الألم طالما نعمت بالسعادة ..
نحن هنا للسعادة ، للمغامرة ، للضحك والقتال على حقنا فى السعادة ،
للقتال على المطالبة بكافة حقوقنا التى معها نبدأ نحيا سعداء ..



أصدقاؤنا السوريون يرقصون ويناولون الشراب على خط النار ، لا صحة بأنها ثورة إسلامية ، اليسار يؤدي هناك بقوة ، ويبحثون عن السعادة أيضاً هناك .. حيث الحقيقة ، ما بعد الحياة والموت ، فى الأرض الحرة ، التى لا تخضع للسلطات ، وجودهم يطرح خيار أخر غير الهزيمة ، وجودنا مقاومة ، مقاومتنا مغامرة ، مغامرتنا بقاء .. بقاءنا حب للحياة .. على الرغم من أننى "طول عمرىِ بأقول"
طول عمرى يا زينب. 



........

أحمد البحار



عزيزتي زينب (1)




painted by: Charles Grogg

عزيزتي زينب .... أكتب لكِ نصًا إنسانيًّا (1) - أحمد البحار



.






منذ شهر علمت بإصابة صديقتى "كازابلانكا" بأزمة قلبية وانهيار عصبي .. أمر مؤسف يا زينب ، صديقتى ملهمة للغاية ، تنشر الفراشات أينما ذهبت ، مقاتلة .. اتفقنا أن نلتقي حال عودتها من المستشفى، وانتظرنا.

اتفقت القوى الثورية والسياسية على إقامة احتفالٍ كبير بشارع محمد محمود ، احتفالاً بذكرى محمد محمود يا زينب .

سألنى صديقى " أنتو ناويين على إيه؟"
أخبرته بأننا لن نحتفل،
لن نحتفل بأعظم أيام الثوارعن طريق الحضور ومشاهدة الفيديوهات والبكاء والمرور بين المقاهي ومن ثمَّ العودة مكبوتين لبيوتنا ،
إنها ذكرى عين حرارة يا زينب ، عين مالك ، قتل شهاب ، إنها ذكرى الغرباء يا زينب ، من ضحو ورحلو في صمت ، أيات ثورتنا هنا كتبناها ،
كرر صديقى " ناويين على إيه ؟ "
لم أستطع إجابته ، لا أعلم ماذا سنفعل يا زينب لكننا لن نرضَ ، لم ننسَ .. لن نغفر.



فى إحدى سهراتنا الخاصة ، بعدما تملكت منَّا زهرة الخشخاش، سألت أحد أصدقاءنا " إنت إيه اللى بيجيبك تسهر معانا كل يوم ؟ " ..
فأجاب في صدق فطري " أنا باجى عشان أسهر وأنبسط وأشرب الحشيش اللى بيهدينى "

ضج الحضور بالضحك يا زينب، كانت الإجابة حقيقية ،
نحن هنا بحثًا عن السعادة سواء كانت حقيقية أم لا،
أصبحت جملة " الحشيش اللى بيهدينى" إفيه نصنع منه إفيهاتنا حسب المواقف.
فإذا شعر أحدهم بالجوع قال " أنا عايز الأكل اللي بيهدينى" ،
وإذا توقفت طرقات العاصمة واكتظت بالسيارات وفشل عسكرى المرور البائس فى حل الأزمة ، هتف أحدنا " أنا عايز النفق اللي بيهدينى "
وهكذا فى كل شيء نبتذل الإفيه حتى النحول.




صفحة خالد سعيد تنشر بيانًا هو عارعلى الثورة وعلى مجاذيبها ، نص البيان أن من افتعل الاشتباكات مجموعة من الصبية، إن أزمتنا ليست مع أوغاد الداخلية، علينا الرحيل من الشارع تجنبًا للدماء.
بيان إصلاحي فاشل يا زينب، أى دماء نتجنبها وقد سقط "جيكا" ؟
أى صبية يفتعلون وكل المقاتلين على خطوط المعركة ؟
نحن من فعلناها يا زينب، ونحن من سنكررها.



أزمتنا مع أداة السلطة القمعية، نحن لا نفتعل، من يفتعل ومن يقمع هو الذى انتهج الإستبداد قبل الثورة وأكد عليه بعدها.
قامت الثورة فى الخامس والعشرين من يناير "عيد الشرطة"،
لم يكن النزول الأول، اعتدنا النزول فى مثل هذا اليوم للشوارع تعبيراً عن رفضنا لقمع الشرطة والتعذيب ..
إن دعاة السلمية لم تنضب جرأتهم على مقاتلى الثورة، مازال الثوار والفقراء يقاتلون أداة السلطة القمعية، هذا القتال يضرب وبقوة فى رأس السلطة.
لم تقم ثورة الجياع بعد، إنهم لا يدافعون عن الثورة يا زينب، يدافعون عن وجودهم المرتبط بشباب ينايرالطاهر، عن أى شباب طاهر يتحدثون ؟



فى اليوم الثالث للمواجهات فى شارع سيمون بوليفار ، يُذكر للثورة أنها عرفتنى بهذا الشارع ، الغاز يخيم على خط النار، اتضح لنا فى تلك الموجة بأن الأوغاد لم يصدر لهم أوامر الإبادة التى صدرت لهم فى محمد محمود الأولى. 

الغاز هو السلاح الأكثر استخداما منهم،
الخرطوش مختلف تلك المرة، البلية أكبر حجماً كالتى كنا نلعب بها فى الشوارع، أقل عدداً أكثر سوءً ، نستعد لرد إحدى الهجمات على الأوغاد ، بعض الشباب يدخلون بالحجارة حتى تختلط الرؤية على الأوغاد ثم ندخل نحن بما ملكت أيدينا لنرد لهم الصاع صاعين ، الكر والفر له معنى هنا ،

الغاز أسوأ الأسلحة التى أواجهها يا زينب ، الاختناق شيء صعب وغير جدير بالموت ، يقذفنا الوغد بإحدى القنابل، فترتطم بالأرض ثم ترد فى رجل صديقى، فتبطىء حركته، أهتف به ليجرى أسرع ، الأوغاد يقتربون وقد نفذنا هجمتنا، هذا وقت الفر حتى نشحن طاقتنا وأيدينا لنعود إليهم مجددًا.

أهتف به " اجرى يا بكر ، اجرى يا بكر " ،
أمسك بيده ليجرى معى، نختلط بالجميع، يتوه منى،
أصرخ باسمه .... لا أحد يرد.
أعود لخط النار مجددًا ،
أبحث عنه بالقرب من الأوغاد .. لا أجد أثرًا له . 



لو خُطف سيكون يومًا أسود على الأوغاد،
تلك أول معركة نشترك فيها سوياً ،
أعود لأبحث خلف سيارات الإسعاف ، لا أجد شيئًا ،
بجانب الرصيف أسمع دوى ضحكة أعرفها جيداً، ضحكة من القلب لشخص يفعل كل شئ من قلبه ، أسير خلفها لأجده نائمًا على الأرض ضاحكًا بشدة ، أستغربه وأعنفه لقلقى عليه، يستميحنى عذرًا أن أستمع له ، فأستبينه ،
يخبرنى أننى عندما إقترب الأوغاد وبطأت حركته ،
هتفت فيه صارخاً:" اجري يا بكر .. أسرع يا بكر .. اجري يا بكر ، اجري الجري اللى بيهدينى "
لنسقط ضاحكين على الإفيه، يغطى صوتنا على قنابل الغاز وقذائف الخرطوش ..
الضحك يغطي كل شئ يا زينب



قطنت ببيت أحد أصدقائى فى شارع القصر العينى في فترة معارك محمد محمود ، لأكون قريبًا من المواجهات أكثر، معارك يوم الخميس كانت قوية ومرهقة ، عدت للبيت لأخذ قسطًا من الراحة وقليلًا من الطعام والمزيكا لأعود مجددًا ..
الصداع ينتهك رأسى يا زينب على غير العادة ،
لا شئ يهديء منه فى هذا البيت ، حتى الصيدلية مغلقة فى هذا التوقيت ، فالفجر اقترب ، ماذا أفعل يا زينب ؟
لن أستطيع النوم بهذا المفترس ،
أتخذ القرار
" أنا عايز الغاز اللى بيهدينى "

الغاز يهديء الأعصاب بعدما تعتادينه يا زينب ،
النزول إلى معارك محمد محمود هو الحل ، حتى تهدأ رأسى فأستطيع النوم ،

أمرُّ بالشارع فى طريقى إلى الميدان لأشاهد بعض الدراجات البخارية تتلقى أوامرها من أوغاد الداخلية عند مجلس الوزراء.
مهمة مخولة لهم سيفعلونها بالميدان .. لا أكترث ،
رأسى تُنتهك ،
أصل إلى شارع محمد محمود ،
مازالت المعارك قائمة ، الكثير خارج الشارع ، القليل بداخله ، أذهب للأمام ، إلى خط النار ، أجد أصدقائي فأحييهم ويستغرب أحدهم لعودتى سريعًا
أخبره بأزمتى فيخبرني بأنه يشاركنى نفس الأزمة.



أوغاد الداخلية أغبياء يا زينب ، لكنَّ هذا الوغد تحديداً الذى يستقل سور إحدى المدارس أكثرهم غباءً.
لم أحمل حجرًا واحدًا ، أنا هنا لترتاح رأسى.

يلقى الوغد بأحد قنابل الغاز يهرب من خارج الشارع ويستمر من بداخله فى القتال ،
إحدى الفتيات تشعل زجاجة المولوتوف وتذهب تحت الوغد فتلقيها عليه ليحترق ،
ألم أخبرك بغباءه يا زينب ؟
أبتسم للفتاة وأحييها وسط الغاز ، كانت ضربه موفقة ، وكانت قنبلة موفقة ، تهدأ رأسى قليلاً .. تلك الفتاة عظيمة ، هى هنا حتى تلك الساعة رغم الأخبار المنتشرة عن حوادث "الاغتصاب" والتحرش التى حدثت وبقوة فى شارع محمد محمود أمام مرأى ومسمع من الناس.



على خط النار أيضًا من يُنظّر يا زينب، أحدهم يتناقش في جدوى المعركة ، وأحدهم يسأل عن الدافع إلى الفتك بالأوغاد ، ألحظ صمت الثوار أمامهم ، ويستمر التصميم منهم على الأسئلة فأخبره بأن لا شئ يسمى جدوى المعركة ، لاشئ يسمى "ما السبب فى عراكنا مع الداخلية؟" ،
إن تلك الأشياء بالحب يا زينب، لا قصاص لا عدالة، لا ثأر ولا مطالبة، المعركة هى من تُبقي الشغب ، والشغب يبقى المغامرة ، والمغامرة تبقينا .. ونحن نبقي الثورة .. تلك أبجديات يا زينب .


تُقذف قنبلة أخرى فتكتفي رأسي بما نالته ، ألحظ بأن استمرارى وسط مشاحنات ونقاشات سيفتك برأسي مجددًا ، أقرر الرحيل .. لا مال معى ، لن أستطيع أن آخذ "تاكسى" حتى البيت ، ماذا سأفعل يا زينب؟ .. لا قرار ، سأعود من حيث أتيت من شارع القصر العينى ..
نعم وسط الأوغاد .


الغاز ترك أثره على شعرى وملابسى ، أذهب إليهم ، ينظرون بشدة محدقين، من هذا المخبول الذى يتقدم من الميدان إليهم ، هل سيفجر نفسه .. أستمع إلى خوفهم يا زينب ، قيادتهم تحدق قبل أن يصرخ أحدهم تاركاً هاتفه اللاسلكى: " إنت معانا ولا معاهم ؟ "
فأخذ نفسًا آخر من سيجارتى وأكمل سيرى لأرد عليه: " أنا اللى أدام الكردون"
ليصمت دقيقة لأتدبر فيها إجابتى ، إنها إجابة عظيمة يا زينب ، لو كتبت هذا المشهد لن يخرج بتلك الصورة القوية ، أنا أمام الكردون وسأظل أمامه وسأعبر من بينهم دون أن يتجرأ وغد منهم على إيذائي ..
لا ليست شجاعة بقدر ما هو تعب يا زينب ، لن أستطيع أن أتخذ شوارع أخرى الجيش يقيم الأسلاك الشائكة على ناصية شارعى.






الجيش أثبت للجميع بأنه مؤسسة فاسدة ، قيادات بائسة ، لا تريد الإ حماية مصالحها المالية ، لا شرف عسكرى ولا نوط واجب ولا أى شيء من تلك الكلاشيهات، أمرُّ قبل أن يدق وغد منهم على الأسلاك لأعبر إلى شارعي.

الشارع هاديء والجميع نيام .. الكراون يزاحم دوي إطلاق قنابل الغاز، جابر حارس العقار نائم أيضًا يا زينب ، أصعد بالمصعد لأعبر إلى البيت ، أخلع ملابسى وأمسك هاتفى لأعبر لـ"تويتر" لأخبر أصدقائى بما حدث مع الأوغاد ومقولة الكردون .. أكتب الموقف وأنام ، أفزع على ضجيج ، باب المنزل قارب السقوط من قوة الأيادي التى تطرقه .
ما هذا ؟
هل شاهدو "تويتاتى" وسيقبضون عليَّ ؟
الأن ، أريد أن أخذ قسطًا من الراحة أولاً ،
مازالتُ بالبوكسر .. لن يُقبض عليَّ بهذا البوكسر ..
البوكسر "بينك" يا زينب ، أذهب إلى هذا الضجيج ، أنظر من العدسة السحرية، فلا أجد شيئًا والضجيج مستمر .
أهتف: " مين ؟ "
فيرد: " ينفع كدة يا بحار ؟ مقفلتش باب الأسانسير ليه ؟ ينفع أطلع 6 أدوار على رجلي ؟ "
تبًّا لك يا جابر ، أسبه، يأمرنى بفتح الباب ، هل سيسلمنى لهم ؟
أخبره بأننى لن أفتحه، ويهمهم بهمهمات معتادة تجاهى لتجاهله ويؤنبنى.
جابر لا يدرك خطورة الموقف، لون البوكسر أزمة كبيرة يا زينب.




لم أشترك فى مسيرة منذ جمعة تصحيح المسار، منذ 9 سبتمبر 2011 ، تلك الجمعة المشئومة ، التى سقط فيها كل شئ ،
لا داعى للشرح .. أوفر مجهودى لأشياء أخرى، أتعجب دائما ممن ينزلون عندما تهتف لهم المسيرات تطالبهم بالنزول، لو كنت مكانهم لما نزلت ، شاركت فى مسيرة رابعة العدوية إلى الإتحادية،
لا أعلم السبب، القصر محاصر ولم يحدثنى أحد عن إمكانية قيام معركة،
كما أن معركة الدستور لا تهمنى يا زينب ...نعم لا تهمنى
فإذا كنت أحاول طرد أحدهم من شقتى وأطرق الباب بعنف ، وأخبرنى هو برغبته بأن تكون أرضية المطبخ بالسيراميك وأرضية غرفة المعيشة بالباركيه إن أجبته برأيى فأنا إنشغلت عن معركتى وهى طرده بالأساس ، يجب أن أركز فى كسر الباب عليه ومن ثم إعادة تشكيل المنزل حسب رغبتى.




شاركت فى المسيرة ، الثوار الجدد جنبًا إلى جنبنا ، الأداءات صبيانية ولا تُحتمل يا زينب.
عندما هتف أحدهم "بيع بيع بيع الثورة يا بديع" ، أمسك أحدهم بيد زوجته والسعادة تملأ وجهه كأنه أهداها خاتمًا ذهبيًا في عيد زواجهم ،
وقال لها: " تعالي تعالي الهتاف ده أنا بحبه أوي "
واتجه بها سريعا إلى مقدمة المسيرة ، كأنه يدعوها إلى سهرة على العشاء يا زينب.
لا أزمة، الأزمة عندما وصلنا إلى القصر، و وجدنا الحشود أمام الكردون ، حدثنى صديقى مرصفاوى عن إمكانية اقتحام الكردون، أجبته بالموافقة ،
ذهبنا إلى الأمام مخبرين الناس: "إحنا هندخل ، عندنا إجتماع جوه "
فقط ليفسحو لنا الطريق.
عندما وصلنا إلى الكردون كان بعض الثوار الجدد يقيمون متاريس بشريه أمام الأوغاد لحمايتهم ، طالبتهم بالإبتعاد لنتمكن من الدخول.
أخبرونا بأن الأوغاد "غلابة" ، فسبتهم وقلت لهم بأنهم من قتلو إخواتنا وعرو بناتنا ، فانقلبت المتاريس عليهم وكأنهم فوجئو بالحقائق التى تخونهم ، دفعت الوغد وهددته بأن يفسح لى الطريق وإما الفتك به ، دفعته ، وتراجع ، دفعته وتراجع ، حتى تقدمت الجموع وفر الأوغاد.


مشاهد الهروب هى أجمل مشاهد الثورة ، بل أجمل مشاهد حياتي على الإطلاق يا زينب .
الوغد يهرب ، السلطة تهرب من أمام الجماهير ، الشارع ينتصر ..
تقدمنا إلى الأمام وقمنا بفتح الكردون الأخر الذى يمنع المسيرات الأخرى من الدخول.
دوي قنابل الغاز يفاجيء الثوار الجدد فيسألنى أحدهم: " ما احنا محترمين ، هو إحنا عملنالهم حاجة ؟ بيضربونا ليه ؟ "
بؤساء يا زينب ،
كنت قد قررت بألا أشترك فى تلك المواجهات العبثية ، كانت حلاوة روح للأوغاد للدفاع عن صورتهم أمام رأس السلطة لا أكثر ، أقف بعيداً عن الغاز، وأمامى ولد وبنت على مظهرهم ووجوههم علامات الثوار الجدد ، تختنق البنت وتبدأ فى السقوط على الرغم من بعدها التام عن الغاز، يمسك صديقها يدها ويحمسها للركض " تعالي .. تعالي ، قويدر هنا ، قويدر هنا " ..

قويدر يا زينب ونحن لم نجد مياه متسخة فى الميدان لإنقاذنا .. الثورة تصل مصر الجديدة ، أمر مبهج رغم كل شيء ، الثوار يتقدمون فى الميرغنى والأوغاد يتراجعون فى الكوربة ، ولنلتقط الأنفاس نذهب إلى جروبى والإمفتريون .. ياله من شيء عظيم .. لا مكان لفلفلة وتوم آند بصل هنا .


الثوار الجدد يحبون يا زينب، مازالو يقدسون العسكر ويلتقطون الصور معهم كان الرد حتمي بالفتك بالأوغاد فى حضورهم، ليعلمو مبادءنا ، لن نتعاون مع فلول أو عسكر يا زينب ،
فثورتنا ضد من خان ومن باع ومن صمت .
للثورة تراتيل فليرتلها من أرادها بحق ، فتكنا بالأوغاد قبل أن نرحل حتى لا نترك الإعتصام على ضلال.




علمت بأخبار حوادث الإغتصاب التى حدثت فى الميدان ، لم أشاهدها ، كان الأمر بالنسبة لي مزعجًا بشدة ، الداخلية تستخدم هذا الأسلوب من قبل الثورة يا زينب ، وهل نسينا نوال ؟
كنت أتمنى أن تحضر نوال الثورة ، لم أستوعب ما حدث من اغتصاب سوى عندما نشر الصديق الصحفى محمد خير شهادة لبنتين تعرضا للاغتصاب أمام الناس ، كانت شهادة قاسية ، لم أستوعب مدى صدمتها الإ عندما هاتفتنى صديقتى "ي" تخبرنى بأنها من تعرضت للإغتصاب ، يالقسوة الصدمة ،

الإغتصاب بشع وسلب لحق المرء فى جسده بشكل حيوانى ، أؤيد إعدام كل مغتصب ، أرغب بقتل كل من اغتصب صديقتى ، تحكى لي تفاصيل الحدث وكيف أن المغتصبون اغتصبوها فى محمد محمود
وصولاً لعابدين لمدة ساعة ... لمدة ساعة يا زينب ، جردوها من ملابسها ، وانتهكو كل جسدها ، المغتصبون كانو حوالى 30 فرد ، وحولهم 50 يتشاجرون معهم لمشاركتهم الاغتصاب وحولهم 200 فرد يشاهدون بسعادة ويقومون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو لها ، أحدهم أراد أن يقبلها فى فمها فقطعت له لسانه ، وأصابت إثنين أخرين ، صديقتى قاومت حتي اللحظة الأخيرة ، وإكتشفت قوتها الروحية التى لم تكن تعلمها يا زينب.

اغتصبوها بعنف منظم ، كل من تدخل ليحيمها أصيب بأسلحتهم ، فى المجارى ، فى المجارى كان الاغتصاب يا زينب ، هل هناك أقسى من جملة على طالباب فى أغنيته "عن مضاجعة الواقع"
ما هو معبر أكثر من جملة " والواقع بيضاجع مجارى المدينة" ؟ ..
اغتصبوها لمدة ساعة وأرادو الذهاب بها إلى عابدين لولا تدخل سيدة لحمايتها وقامت مشاجرة كبيرة بين أهالى تلك السيدة والمغتصبون .. 



مشاعر الأسف والحزن لا محل لها هنا ، صديقتى أعطتنى ما لم يعطه أحد لي أعطتنى الأمل ، صديقتى تحررت من كل مشاكلها مع جسدها ، هو ملك لها لذلك فهو اغتُصب ، جرم الفعل فى أنهم سلبوها ما تملكه ، لو كان مباح لما انتهكوه ، صديقتى تطهرت من جنسية الزومبيز ، صديقتى الآن حرة ، تحب الأشياء بتطرف ، وتكرهها بتطرف ، صديقتى الأن متحررة من كل أمراض المجتمع ، فالأخير لن يفعل بها أقسى مما فعله ، الآن هى تستطيع اعتبار نفسها إنسانة لا مواطنة مريضة فى هذا المجتمع المريض .


إن كان الشهداء يحررون الأوطان ، فهم يحرروننا نحن أيضاً من الحسابات لأفعالنا ومن التوازنات ، يجعلوننا نقاتل بلا خوف ، نحن لدينا ما يدفعنا للمرابضة ، لدينا دماء ، صديقتى أيضاً تحررت فى معركتها مع الحياة ، فقد انتهك جسدها الجميع فى المجارى .. ما أقسى من ذلك ؟
إذن فهى تستطيع الآن محاربة كل أعداءها والتصالح مع نفسها ، صديقتى تنام الآن نومًا هادئًا وطويلًا عكس ما كانت عليه قبل الواقعة ،
بالطبع مازال للحادثة أثار سلبية هى تشعر بها وتعرفها ومخاوف ، لكنها باتت حرة فى حبها للحياة أكثر، الآن صديقتى إنسانة تحب وتكره بلا تحفظ وتمارس حريتها دون مراجعة مع النفس.






...

أحمد البحار














painted by: Charles Grogg

الجمعة، 21 ديسمبر، 2012

إلى نهى التي وجدت النور من غادة التي تصنع الظلام

.


 1

أفرح بوجودي معك داخل لقطات دافئة
بينما كنتِ تنظرين إلى القمر داخل الظلام
كنت أفكر أنني أفتقد هذه الدرجة من القرب
وحين كانت أم كلثوم تغني لنا
روحي كانت تحوِّم حول الولد الذي سيخذلني بعد ساعتين فقط

كنت سأكتب لكِ عن ثقتي المطلقة في النور الذي ينبع من الذات ويصب فيها
لكنني لا أقوى على تصديق ذلك الآن

كنت أظن نفسي امرأةً أخرى
الحقيقة أنني ما أنا عليه
حركتي بطيئة وخائفة
ولن أصدق الرجل الذي يخبرني أنني أجمل امرأة بالعالم
ليست لدي خطة سرية للفرح
ولا أخبيء مفاجآت للحب - إذا أتى -


لا شيء يؤثر بي
أنا هذه المرأة التي أحاربها على الدوام
بليدة وخائفة ولا أتوقف عن الجري باتجاه الظلام

سيكون لطيقًا أن تقولي كلامًا طيبًا 
كل هذا الدفء لن يعبر إلى قلبي مع أنني لا أشك في صدقك


لا أحتاج سوى دواء الكحة والمضاد الحيوي فقط
كل شيء سيتحسن 
ساعيد التعرف على ذاتي
ثم سأعتاد العالم

.........



 2


أزدري ذاتي
مع أنني أعرف أن عدداً من الغادات يسبحن بحمدي
ويخبرنني كم أنا جميلة وطيبة لأنني أعترف بالبلادة

الحمى المصاحبة للأنفلونزا تكتب نهاية تافهة للعالم

أمي تحكي عن جدتي 
الإحساس بالشيخوخة يدفعنا للحكي بلا أهداف خارج الحكي ذاته
إنها تتمتع بوجودها هناك مرة أخرى 

الشيخوخة أن تحكي عما حدث من قبل لأنه لاشيء يحدث الآن

أكره البقاء في السرير 
وأكره المضاد الحيوي
وأكاد أموت لأنه لا أحد يهتم 

هذا أيضًا سخيف ...
قليلٌ من المرض الذي يصيب الجميع 
يحركني باتجاه الشفقة على نفسي

الأنفلونزا ستتحرك بعيداً عن رئتي
وكل هذه السخافات عن الخيال الذي يكسِّر مقاومتي
ستذوب


الشيخوخة هي أن تكتب كل ما يحدث 
كي تصدق أنه حدث فعلاً

.....






painted by: Bernard Buffet Maldoror 




......